وهَل تعتقد أن الأميركان وُجدوا في الأرض كما وُجد آدم؟! وهل طلع البيت الأبيض من تحت الأرض كسنبلة نبتت في أرضٍ خصبة؟ كلهم كذلك يا رفيق: يأتون إلى بيتك يغتصبون أرضك وعرضك، ويدعونك هندياً أحمر، وما شأن الهند بأقصى الغرب؟ وأين الأحمر فيك يا رجل؟! ربما رأوا اختلاط دمك الأحمر القاني بمسام بشرتك السمراء تماماً كتراب الأرض تحت قدميك، فسمّوك "الهندي الأحمر".

تبحث في كتب التاريخ وترى أن أصلك كنعاني أو فينيقي وربما فرعوني، أو يأتيك شبه رجل يدّعي شبه ثقافة، يسبقه كرشه المكتمل عكس ثقافته، بنحو نصف متر واقعاً ومجازاً، وبقايا صدر الدجاجة ما زال عالقاً بين أسنانه، ويقول لك إن العثمانيين حكموك خمسمئة عام وقد مزّقوا بكارة جدّاتك وأمهاتهم على مدار خمسة قرون، فأنت تركي يا ولد.

وتقلّب كتب الجغرافيا، ففي الصفحات الأولى وطنك بين خليج ومحيط، وفي الصفحات التالية تجد وطنك بين ناقورة وعقبة، وبعد صفحات ترى وطنك ضفة في غرب بحرٍ ميتٍ لا خير فيه وعلبة سردين اسمها غزّة، وفي الصفحات ما قبل الأخيرة يصبح وطنك مخيّماً بين جسر ومقبرة شهداء. أما في الصفحة الأخيرة، فيصبح الوطن معدة خاوية ووسادة قاسية وحلم، ورغيف خبز يحلم بفرنه، أو نوم طفل هانئ يحلم به.
ولأن الجغرافية لا بد لها من تاريخ، وبالعكس فإن الرصاص وشظايا الحصار ستكتب في الصفحات المهملة، لتنسى سمكتك في بحر حيفا، وبرتقالتك العملاقة في سهول يافا، وتنسى أرضك في الولايات المتحدة الهندية الحمراء، وبحرك الممتد من المتجمد الشمالي إلى نظيره الجنوبي، وما لك في هذا العالم على قدر قُطر رحلة ماجلان، وأحد عشر كوكباً والشمس والقمر.
أتذكر يا رفيق؟ تلك العبارة التي كتبناها سوياً على جدار غرفتك في المخيّم، أسفل صورة "غيفارا" وبجانب رسم حنظلة، وفوق جميع ما كتب غسّان كنفاني؟ تلك العبارة كانت أجمل ما قاله: "لك شيءٌ في هذا العالم.. فَقُم"، والآن أقول لك: لك كل شيء في هذا العالم.. فَقُم.


نحن هنود هذا العصر

أيهم السهلي

"لنا ما لنا". سأبدأ من حيث انتهيت أنت: "لك كل شيء في هذا العالم.. فقُم"، لنا ما لنا من العالم، ولنا أرض ما زالت منهوبة ومخيم أو مخيمات تذبل. ولنا قيادة فلسطينية محرجة من لوم قاتلنا.. ولنا كذلك ذاكرة وتاريخ ما زلنا نذكره ونفخر به، ولنا صورة الملثم، والكوفية، والخريطة مرسومة على الجدران.
لنا ما لنا. حقيقة الواقع ووهمه، وأمنياتنا الصغيرة بوطن صغير على شكل خنجر، وللخنجر أن تجده في صخرة مرمية على الشاطئ، تحملها وتمشي معها نحو الجنوب. ترسم عليها قلبك، أو تكتب قصيدة "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" القصيدة التي حاكيتها في رسالتك.
صديقي، نعم نحن الفلسطينيين "هنود المحتل الحمر" في فلسطين، إبادة جماعية، وشعب أصلي مشرد، وطواغيت تستمر تذبح بقايانا وتطاردهم كمطاردة الساحرات. إلا أن الفارق أننا ما زلنا في كل مكان نصرخ، رغم أن كتم صراخنا يتطوع له ذوو القربى..
المخيم الذي هجرنا منه معاً، مخيم اليرموك، وباقي مخيمات سوريا، ومخيمات لبنان وما حصل لها، وما قد يحصل، وكذلك مخيمات الضفة وقطاع غزة، كلها مساحات ضيقة للاستهداف، ضيقة نعم، لكنها واسعة في أمل الاحتلال لإتمام وجود "دولة إسرائيل" دون عبء اللاجئين، وتبقى الضفة والقطاع بمواطنيها، الهمّ الكبير الذي على الكيان إزالته، لكن كما الشتات قام بالثورة، قام أهالي الـ 22% من الأرض بالانتفاضتين الأولى والثانية، وأهالي الثماني وأربعين بانتفاضاتهم المتتالية.
لنا ما لنا يا صاحبي.. ولنا نكون كما نريد، أبناء مجد وحرية.. ولكن الواقع الملموس، أنه ليس لنا في هذا العالم سوى وثيقة سفر، ومخيمات يراد لها ولأهلها أن تموت.. وقيادة فلسطينية لا تعترف إلا بهزيمتنا ولا تفعل أكثر من نكء الجروح