من نافلة القول التذكير بأن غزة بما تحمله من أوجاع من دمرت بيوتهم وفقدوا أبناءهم، قاربت على إتمام الشهور الستة من دون أن تحقيق تقدم فعلي في أي من بنود وقف الحرب، كذلك يصبح سهلاً فهم أن استمرار هذا الضغط قد يولد مواجهة، أو حرباً جديدة، وهو ما تردده حركة «حماس» منذ أشهر، كما تحذر منه إسرائيل، بطرق إعلامية أو رسمية، آخرها «رسائل تحذيرية» إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.


رغم ذلك، ما يغيب عن واجهة التحليل هو إلى أين ستقود أي مواجهة مقبلة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال؟ فهي من جهة تشكل، بلا شك، ضغطاً على القيادة الإسرائيلية «المفكّكة» ظاهراً بفعل الصراع الانتخابي، لكنها تطرح تساؤلاً برسم غزة؛ فمن لم يضمن تعمير ما خلفته حرب دامت 51 يوماً، كيف له أن يضمن أن حرباً جديدة، ستكون مكلفة بالتأكيد، يمكن إعمار ما سينتج من دمارها؟
وفي ظل حالة الشد والجذب بين حركتي «فتح» و«حماس»، القوتين المتحكمتين في غزة والضفة المحتلة، فإن مصير أي نتاج سياسي لمواجهة مقبلة لن يكون، بالطبع، أفضل مما خلص إليه «الوفد الموحد» للفصائل في القاهرة، الذي انقطعت من الأساس صلاته الداخلية، أو اجتماعاته في القاهرة ومؤدّاها إلى المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي.

دخلت قضية موظفي غزة «معتركاً قضائياً» يشابه الحالة المصرية

في هذا الإطار، يأتي تحذير مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، رون بروسر، من أن «حماس» تستعد لشن مواجهة عسكرية أخرى، مشيراً إلى أنه «لا يمكن لأحد أن يتوقع من إسرائيل مجرد الانتظار، وهي ترى المخاطر التي تحيق بجنودها ومواطنيها مراراً». وفي رسالتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي، قال بروسر، معبّراً عن خلاصة ما يكرره وزراء وقادة عسكريون إسرائيليون منذ أشهر، إن «حماس تعمل على مدار الساعة لشن عملية هجومية»، وذلك بالاستدلال بـ«تسليح عناصرها، وإعادة بناء البنية التحتية للإرهاب لها»، في إشارة إلى الحديث عن الأنفاق الأرضية، وخاصة الهجومية.
هذا الحديث يأتي خلافاً للرواية الرسمية الإسرائيلية التي يتبنّاها ويصرّ عليها الفريق السياسي والعسكري الذي قاد الحرب، وتقول إن «حماس» تلقت ضربة قاصمة وأنهت الحرب وهي «جاثية على ركبتيها». وبرغم أن رسالة الشكوى الإسرائيلية لم تكشف عن جديد، وخصوصاً أن مسؤولين كباراً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يتحدثون منذ مدة عن سعي حثيث لإعادة بناء قوة المقاومة العسكرية، فإن غير المألوف فيها كونها صدرت عن واحد من أرفع العاملين في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، والأهم أنها تخاطب ما يسمى «المجتمع الدولي» وتحذره من طائلة حرب جديدة على جبهة غزة.
ويبدو واضحاً أن السعي الإسرائيلي لإثارة قضية تسلح «حماس» من على المنابر الدولية ليس بعيداً عن بعض التقارير التي طلعت بها الصحافة الغربية خلال الأيام الأخيرة. وتسلط هذه التقارير الضوء على الوضع الاقتصادي السيّئ في غزة جراء الحصار الذي يكمل إطباقه بتخويف التجار الغزيين من المرور عبر معبر بيت حانون «إيريز» (شمال القطاع)، بعدما اعتقل الاحتلال تسعة منهم منذ بداية العام رغم إعطائهم تصريحاً للعبور إلى الضفة المحتلة (راجع عدد اليوم على الويب).
كذلك تتحدث دراسات ميدانية محايدة عن أن النسبة العظمى من الضحايا الفلسطينيين خلال عمليات القصف الإسرائيلي في الحرب الأخيرة كانت من المدنيين وخاصة الأطفال والنساء. فلعل تل أبيب تريد من تحذيرات مندوبها في الأمم المتحدة إلقاء قنابل دخانية للتعمية على هذه التقارير أو التبرير لممارساتها القديمة ـ الجديدة ضد غزة، بالقول إنها تفعل ذلك من موقع رد الفعل.
المندوب الإسرائيلي كشف، أيضاً، أن «البحرية الإسرائيلية اعترضت يوم 19 كانون الثاني الماضي سفينة متجهة إلى غزة، وهي محمّلة بقطع صواريخ ومدافع هاون»، مع أنه لم تستغل إسرائيل هذه الحادثة لعمل «احتفال تصويري» كما جرت العادة، حتى خلص بروسر إلى أن على مجلس الأمن «معالجة هذه القضية من الفور قبل أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك».
بروسر وضع نفسه في محل العارف بأوضاع غزة، بل من يحمل هموم الناس، إذ قال إنه «بدلاً من إعادة إعمار غزة، تعيد حماس بناء البنية التحتية للإرهاب، وأجرت اختبارات على إطلاق 90 صاروخاً باتجاه البحر المتوسط منذ كانون الأول»، مضيفاً: «تفرض هذه الجماعة الإرهابية ضرائب تعسفية على سكان القطاع».
في المقابل، أعادت «حماس» تجميع المشهد الإسرائيلي باستنتاج أن شكاوى إسرائيل للأمم المتحدة، حول المقاومة، هي «ذرائع» لتعطيل إعمار غزة. وقال المتحدث الرسمي باسم الحركة، سامي أبو زهري، إن اتهام «حماس» بالاستعداد لشن مواجهة عسكرية أخرى «ذرائع تتخذها إسرائيل للتغطية على جرائمها... على المجتمع الدولي أن يوقف الترسانة النووية التي تمتلكها إسرائيل، وصّد انتهاكاتها اليومية بحق الفلسطينيين».
وفضلاً عن كون المواجهة مع إسرائيل أساسية في حسابات «حماس»، فإن الخلاف السياسي مع السلطة الفلسطينية لا يزال يتصدر أولويات الحركة، ليس لبقاء غزة خارج حسابات حكومة «التوافق» التي هي أيضاً معلقة المصير، بل لما رشح من تعليقات على حديث نسب لرئيس السلطة، محمود عباس، بالتزامن مع زيارته الأخيرة للسويد. فقد رأت «حماس» أن وصفها بـ«الإرهابية»، كما نقل على لسان عباس، هو محاولة «لاسترضاء الغرب وإسرائيل». وكانت وسائل إعلامية قد تناقلت أن عباس ذكر، في سياق اجتماع مغلق في بروكسل، اسم «حماس» بين «المنظمات الإرهابية كحزب الله وجبهة النصرة وداعش» التي قد تسبب انفجار الوضع في الأراضي الفلسطينية إذا توقفت المفاوضات والتنسيق الأمني.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل التصعيد على الساحة الدولية في ظل الحديث عن احتقان داخلي ما بين الحديث الإسرائيلي عن نية رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تنفيذ جولة في مستوطنات محيطة بالحرم الإبراهيمي في الخليل، وتحذير «حماس» في بيان رسمي من محاولة نتنياهو اقتحام الحرم.
إلى ذلك، غادر مبعوث اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط، طوني بلير، قطاع غزة، بعد زيارة قصيرة، اجتمع خلالها مع وزراء في حكومة «الوفاق» في غزة لنحو نصف ساعة، ثم أجرى جولة قصيرة على أحياء سكنية تعرضت للتدمير أثناء الحرب. وقال بلير إن «التوصل إلى اتفاق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل يحتاج إلى تحسين ظروف معيشة الفلسطينيين إلى حدّ بعيد»، محذراً هو الآخر من احتمال تجدد أعمال العنف في غزة إذا لم يجر تعزيز جهود إعادة الإعمار، وأشار في الوقت نفسه إلى أن السياسة هي التي تعترض طريق إعادة البناء، مضيفاً أن «على حماس أن تعلن ما إذا كانت مهتمة باتفاق سلام مع إسرائيل».
في سياق آخر، قال وكيل وزارة المالية التابعة لحكومة «حماس» السابقة، يوسف الكيالي، إنه ستصرف دفعة مالية مقدارها 1000 شيكل (250 دولاراً) لجميع الموظفين المدنيين والعسكريين، الخميس المقبل. وأوضح الكيالي أن الدفعة ستكون من المتأخرات المالية للموظفين الذي لم يتلقوا رواتبهم منذ أقل من عام بصورة منتظمة، كذلك لم تحل قضيتهم رغم تشكيل حكومة الوفاق في الثاني من حزيران الماضي.
على هذا الصعيد، أعلن محمد صيام، وهو نقيب الموظفين العموميين في غزة (نقابة تابعة لحماس)، أن نقابته استحصلت على قرار مؤقت من محكمة العدل العليا لوقف تنفيذ الإجراءات الأخيرة المتعلقة بعودة المستنكفين (موظفي رام الله) إلى العمل في مقار غزة بدلاً من موظفي الحكومة السابقة. وقال صيام إن المحكمة عيّنت جلسة أخرى مطلع الشهر المقبل للنظر في دعوى مماثلة ضد قرارات حكومة التوافق تجاه موظفي غزة والتقاعس عن إدراجهم ضمن السلم الوظيفي، علماً بأن هذه المرة الأولى التي يسعى فيها مقربون من «حماس» إلى الاستعانة بالقضاء للضغط في قضية الموظفين، وهو ما يشابه الحالة المصرية في الاستعانة بالقضاء في الإشكالات السياسية.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)