الجزائر | في وقت يسيطر فيه الحوار، الذي ترعاه الجزائر والأمم المتحدة، بين الفرقاء الماليين لإنهاء الأزمة في البلد على المشهد الإقليمي، تقود المملكة المغربية بالمقابل لقاءات مع أطراف مالية، بعضها معنيّ بالحوار وأخرى ليست كذلك لكنها تملك ثقلاً في شمال مالي الذي يشهد توتراً أمنياً يهدد منطقة الساحل بأكملها، خاصة بعد انتشار الجماعات المسلحة المختلفة التوجهات والأيديولوجيات، من إرهابيين، مهربين، وطوارق أمازيغ، قبائل عرب، ومتمردين.

وهو التوتر الذي دفع فرنسا إلى التدخل عسكرياً في 2011، عبر عملية «برخان» التي كلفت تجنيد أكثر من 3000 جندي فرنسي، تحت ذريعة تطهير المنطقة من العناصر الإرهابيين الذين عبثوا بالأجانب الغربيين عامة والفرنسيين خاصة، من خلال عمليات اختطاف للسياح وأعضاء من الجمعيات الإنسانية الدولية والعمّال.

غير أن الوجود الفرنسي، الذي أيدته الجزائر، وفتحت أجواءها الجوية، رغم المعارضة الشعبية والسياسية للخطوة، لم يحقق أهدافه، ودفع المنطقة إلى مزيد من الانفلات الأمني والإنساني، مع تردي الأوضاع في ليبيا وتحولها إلى بؤرة خطرة على أمن شمال أفريقيا والساحل.
هذا الوضع الذي تعيشه مالي، حمّس المغرب، الذي وجد أخيراً ما يرعب به الجزائر «عدوه في الوحدة الترابية» كما يقول الملك محمد السادس، وراح يبحث عن موطئ قدم له مع الحكومة المالية، وأيضاً مع الجماعات المسلحة في الشمال، التي دفعت الجزائر إلى قيادة وساطات للحدّ من تأثيراتها على مناطقها الجنوبية، خاصة أن أغلب سكان شمال مالي على علاقات عائلية مع نظرائهم في صحراء الجزائر، بمن فيهم قادة الجماعات المسلحة. وهو ما استغلته الرباط من خلال التقرب من الحركات «الأزوادية» ودعوتها إلى المغرب، وتقديم الوعود بتحقيق مطلبهم بإقامة «دولة الأزواد المستقلة» أو «دولة الطوارق»، الأمر الذي أربك الجزائر ووضعها بين فكي كماشة. محاولة مغربية لمقابلة دعم الجزائر لجبهة «البوليساريو» المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، التي تعتبرها المملكة المغربية من أراضيها الجنوبية.

الرباط تدفع الأزواد إلى إقامة دولة مستقلة لإنهاء دعم الجزائر للصحراء الغربية

في اجتماع عقد في المغرب في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وافق وزراء خارجية 19 دولة، من بينها فرنسا وليبيا ومالي، على اتفاق لإنشاء معسكر تدريب مشترك لتأمين الحدود، ومن المرجّح إقامته في العاصمة المغربية. وكان هذا الاتفاق المعروف باسم «إعلان الرباط» تتويجاً للجهود الكبيرة التي بذلها المغرب لتأكيد وجوده في العمليات الأمنية ومكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا، بعدما عملت الجزائر على إبعاده عن الملف تحت ذريعة موقعه الجغرافي الذي لا يربطها بالدول المعنية بالإرهاب.
ففي خضمّ الأزمة المالية التي سبّبت في النهاية تدخلاً فرنسياً، ركّز صناع القرار والخبراء على فرصة الجزائر لأداء دور في تسوية النزاع من خلال الاستفادة من جيشها الكبير وقوة أجهزتها الاستخبارية، ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل. فرغم تمركز الإرهابيين على طول الحدود بين مالي والجزائر، بقيت الجزائر بعيدة، نوعاً ما، عن الاضطرابات الدائرة في مالي لانشغالها بسياستها الداخلية، وركزت جهودها على تأمين حدودها، الأمر الذي استغله المغرب وهرع للانضمام إلى التدخل الذي قادته فرنسا في مالي.
وبأخذه زمام المبادرة من منافسته الجزائر، كان المغرب قادراً على كسب أفضلية في معركته مع جارته حول النفوذ الإقليمي؛ فالأشياء التي كانت صعبة المنال في السابق، مثل ممارسة النفوذ وإقامة علاقات ثنائية مع دول في منطقة الساحل، أصبحت في متناول المغرب. واستغل المغرب اهتمام الجزائر بالأمور الأمنية لامتلاكها جيشاً قوياً واحتياطات مالية ضخمة، ليدخل منطقة الساحل، وبالضبط إلى مالي، وينافس الجزائر، عبر بوابة الدين، حيث قدّم منحاً دراسية دينية للطلبة الماليين في الجامعات المغربية، وتدريب الأئمة الماليين.
ففي سبتمبر/ أيلول 2013، وقّعت مالي والمغرب اتفاقية لجلب 500 إمام من مالي إلى المغرب للتدريب الديني، حيث تأمل الحكومتان أن يكون تدريبهم بمثابة الدرع الحصينة ضد الدعاة المتشددين الباكستانيين والسعوديين الذين بنوا مدارس ومساجد في مالي. وفي ضوء أداء المغرب دور المعلم في هذا الإطار، سيشمل الاتفاق حتماً فرض الممارسات الدينية المغربية في مالي. وإذا ما تكللت هذا المبادرة بالنجاح، فإنها قد تزيد من حجم تأثير المغرب في مالي، وعلى منطقة الساحل الأوسع، ومن هذا الباب استطاع المغرب أن يفرض نفسه منافساً للجزائر في منطقة الساحل.
بالإضافة إلى الاتفاقات المبرمة مع مالي، يعمل المغرب على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع جيرانه في الجنوب، فأقام فروعاً لمصارفه في مالي والسنغال، وحصل «التجاري وفا بنك» على حصة تزيد على 50% في «بنك إنترناسيونال» في مالي، واشترت شركة «اتصالات المغرب» المملوكة للدولة شركات اتصالات في مالي وموريتانيا والنيجر، ولديها فروع في بوركينا فاسو، وكثفت شركة «المكتب الشريف للفوسفات» المغربية، عمليات التنقيب عن الفوسفات في شرق مالي، وعينها على استخراج الذهب واليورانيوم وخام الحديد، وربما الألماس، وبذلك بات المغرب يمارس سياسة القوة الناعمة الناشئة في الساحل. وقد ينجح المغرب في الاستحواذ على المنطقة بعد فشل الحل الأمني الفرنسي، والحل السياسي السلمي الجزائري، وهذا ما أكده معهد واشنطن.
وفي سياق الصراع الجزائري ـــ المغربي، أعرب وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمارة، عن معارضة بلاده الشديدة لأي دور مغربي في أزمة مالي، بدعوى أن رئيس مالي، إبراهيم كيتا، هو من طلب وساطة الجزائر دون غيرها، وقال إن الجزائر تعارض دوراً ما للمغرب في مسلسل السلام، ليس من منطلق عزل المغرب، بل انطلاقاً من رغبة الرئيس المالي كيتا الذي طالب بوساطة الجزائر دون غيرها من باقي الدول. تنطلق الجزائر من رؤية مفادها أن الدول التي يجب أن تتدخل في الأزمة المالية هي التي تجمعها حدود جغرافية بمالي. وينتقد المغرب الموقف الجزائري.
لكنّ مسؤولين مغاربة، وعلى رأسهم الوزيرة المنتدبة في الخارجية، امبارك بوعيدة، اتهمت الجزائر بتهميش المغرب في الأزمة المالية. ويرى المغرب أنه بحكم الجوار الإقليمي والعلاقات التاريخية بين مالي والمغرب فهو مؤهل لأداء دور في مسلسل السلام، ولا سيما بعد زيارة الملك محمد السادس لهذا البلد الأفريقي خلال سبتمبر/ أيلول الماضي.
«اتفاق بين الجزائر وحلفائها من الطوارق وحكومة باماكو، بهدف وقف التعاون المالي المغربي وحصار الدبلوماسية المغربية في منطقة النفوذ الجزائري»، هذا ما ذكرته مصادر مغربية أوضحت أن المغرب سارع إلى التعامل مع التحركات الجزائرية الموريتانية، وأرسل وزير خارجيته إلى باماكو لشرح موقف بلاده. وأضافت المصادر أن الجزائر تستغل ضعف السلطة في مالي، للضرب تحت الحزام.
وزاد المغرب من الضغط، فراح يتحرك خارجياً لجلب التأييد لسياسته في منطقة الساحل، حيث أشاد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، خلال انعقاد الجولة الثانية لـ«الحوار الاستراتيجي» بين الرباط وواشنطن، أن المغرب يؤدي دوراً محركاً ومهماً، والولايات المتحدة ستقف بجانبه على هذا المسار، معتبراً أن الاتفاقات الـ18 التي وقعها المغرب، خلال زيارة الملك محمد السادس، مع مالي، إضافة إلى عدد من دول أفريقيا، جنوب الصحراء، تظهر أن المملكة تسهم في مزيد من الأمن ومزيد من الازدهار في المنطقة.
لكن كيف ترى الأطراف الجزائرية التحرك المغربي؟ سؤال يطرحه المتابعون للصراع، ويجيب عنه الخبير والمحلل الأمني الجزائري، علي زاوي، الذي أوضح لـ«الأخبار» أنّ ما يحدث من انشقاقات داخل الحركة «الازوادية» في مالي، هو نتيجة لعمل مخابراتي مغربي فرنسي في المنطقة، وأشار إلى أن «المغرب يعمل على وأد الصلح وخريطة الطريق التي تعمل الجزائر على تطبيقها لإحلال السلم والأمن بمالي»، متهماً بأن المغرب أخطر، استراتيجياً، على الجزائر من المنظمات المسلحة، كاشفاً أن زعيم الحركة الوطنية لتحرير «الازواد»، بلال أل الشريف، يزور الرباط بصفة دورية، وعشية كل جلسة حوار في الجزائر، ويحظى باستقبال من طرف العاهل المغربي.
ورأى الخبير الجزائري أن المفاوضات المالية التي ترعاها الجزائر مصيرية، خاصّة أمام سعي الحركة الوطنية لتحرير الأزواد للتشويش، مضيفاً أن الحركة تعمل بأجندة مغربية من خلال مطالبتها بالاستقلال الذاتي، مبرزاً أنّ هدف المغرب هو ابتزاز الجزائر عبر الترويج لفكرة «دولة الازواد» التي تمتد إلى جنوب الجزائر، حتى تنهي هذه الأخيرة دعم الصحراء الغربية واستمرار مطالبتها بضرورة تقرير مصير الشعب الصحراوي وإنهاء الاحتلال المغربي، وهو ما يرفضه المغرب الذي يعتبر الصحراء الغربية جزءاً من ترابه.
من جهته، أبرز الأستاذ في المدرسة الجزائرية للعلوم السياسية، زهير بوعمامة، أنّ ثمّة انزعاجاً مغربياً من الدور الجزائري في منطقة الساحل، ولذلك يعمل المغرب على عرقلة المفاوضات بين الماليين، غير أن كل المعادلات في المنطقة تحولت إلى صالح الجزائر التي تعتبر، من وجهة نظر معظم الدول، الدولة الأكثر صدقية وقدرة على إدارة ملف أزمة مالي، والدليل أنّ هناك حركات في المنطقة تثق ثقة عمياء بإيجابية الدور الجزائري، حسب تعبير المتحدث.
وبالنظر إلى ما يحدث في منطقة الساحل الصحراوي من تدهور أمني جرّاء استمرار المواجهات المسلحة في ليبيا، والانتشار الواسع للسلاح، وبحكم الروابط القبلية والعائلية بين دول المنطقة، يظهر الصراع المغربي الجزائري من أجل الانفراد بالمنطقة كقوة إقليمية، كواحدة من النقاط التي تزيد الأمور تعقيداً، وبسبب الأنانية التي تسيطر على أصحاب القرار في الجزائر والمغرب على حد سواء، ستدفع الشعوب «السوداء» المغلوبة على أمرها، الثمن مع خطر التمزيق والتقسيم، الذي يضاف إلى المعاناة من الفقر والجهل والتهميش. فهل تعود الجزائر والمغرب إلى رشدهما وتبحثان عن سبل استقرار المنطقة، وتنمية شعوبها، بدل استغلال الأوضاع الهشة لتحقيق مصالح ضيقة؟ سؤال يطرحه عقلاء منطقة الساحل، وهم يعلمون أن الاستجابة مستحيلة، لكنهم يأملون.