الخرطوم | في سابقة هي الأولى من نوعها، استيقظ السودان أمس على وقع مصادرة السلطات لـ14 صحيفة سياسية واجتماعية، لتخلو رفوف المكتبات من جلّ الصحف اليومية، باستثناء صحيفة واحدة إضافة إلى العديد من الصحف الرياضية.

وصادر جهاز الأمن السوداني 14 صحيفة سياسية واجتماعية من المطبعة في الساعات الأولى من صباح يوم أمس، من دون الإفصاح عن أسباب مصادرتها.
قد تبدو الخطوة غير مستبعدة، وخاصة أن السلطات اعتادت مصادرة الصحف وإيقافها لفترات تزيد وتنقص وفق الخطأ التي ترتكبته الصحف، والذي يقدِّر حجمه من أصدر أمر الإيقاف وحده. لكن تزامن تعليق 14 صحيفة في يوم واحد أثار العديد من التساؤلات المشروعة حول نوع الجرم الجماعي الذي ارتكبته تلك الصحف خلال الأيام التي سبقت العقوبة حيث تنفذ العقوبات من تعليق ومصادرة التي عادة ما تتم بأثر رجعي.

وتعاني الصحافة السودانية منذ سنوات تضييقاً من قبل السلطات، يتمثل في الرقابة القبلية لكل المواد، ويصل الأمر أحياناً إلى مصادرة الصحيفة من المطبعة بعد طباعتها لتكبيد الناشر مزيداً من الخسائر، إذ إنه يدفع تكلفة الطباعة مقدماً، ثم يفقد عائد التوزيع والإعلان. وتعرضت العديد من الصحف للمصادرة في الفترة الأخيرة، ولكن هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها مصادرة كل هذه الصحف في وقت واحد.
ولا يبدي عادة جهاز الأمن المسؤول عن مصادرة الصحف أسباباً للمصادرة. لكن صحافيين ومراقبين رجّحوا أن سبب هذه المصادرة الجماعية ربما يعود إلى نشر تفاصيل حادثة اختفاء صحافي يعمل في صحيفة اجتماعية يومي الجمعة والسبت الماضيين، وأن تلك الصحف لم تتقيد بما جاء في بيان الشرطة الرسمي حول الحادثة، بينما ذهب آخرون إلى أن السبب هو نشر أخبار تتعلق بالجيش.
ونظم عدد كبير من الصحافيين يوم أمس وقفة احتجاجية أمام المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، مندّدين بمصادرة الصحف وتكرار إيقافها، ومعبّرين عن غضبهم الكبير من التضييق الذي يلاقونه، فيما عقد مجلس الصحافة اجتماعاً طارئاً أمس، وأصدر بياناً عبّر فيه عن «أسفه العميق تجاه الخطوة التي تم اتخاذها بتعطيل ومصادرة هذا العدد الكبير من الصحف»، وأعلنت هيئة المجلس شروعها في إجراء اتصالات مع رئاسة الجمهورية وشركاء العمل الصحافي لاحتواء الآثار السلبية لما حدث. وقال المجلس إنه «كان بالوسع، حتى بافتراض وجود أخطاء وقعت فيها الصحف، تدارك الأمر ومحاسبة المخطئين بمنهج وأسلوب يتناسبان وقانون الصحافة والمطبوعات الصحافية لسنة 2009».
وأقرّ المجلس في بيانه بحساسية الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد في هذه المرحلة، «الأمر الذي يتطلب أن تتعامل معه الصحافة بقدر من المسؤولية الوطنية، وأن تتجنّب في تعاطيها أشكال الإثارة الضارة بالمجتمع وبالأمن القومي، وخاصة تحركات القوات المسلحة».
وفي أول ردّ فعل رسمي حول مصادرة الصحف، قال وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، أحمد بلال، إن «الصحف الموقوفة صودرت وفقاً للقانون»، مضيفاً أن أي محاولة لبث الفتنة وتهديد الأمن القومي ستُحسم عن طريق القانون.
في الوقت ذاته يدرس عدد من الناشرين تعليق صدور صحفهم اليوم الثلاثاء استنكاراً لمصادرة صحفهم يوم أمس بعد طباعتها.
وأدان عدد من القوى السياسية المعارضة مصادرة الصحف، ووصف حزب البعث العربي الاشتراكي المعارض ما حدث بالمجزرة، وبأنه جزء من الحملة الشرسة على الحريات العامة.
وقال المتحدث الرسمي باسم الحزب، محمد ضياء الدين، إن السلطات المعنية بدلاً من أن تلجأ إلى القضاء فإنها تقوم بمصادرة الصحف من دون إبداء أسباب لتكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه، من دون أن تتاح للمتضررين فرصة للطعن في قرار المصادرة أو المطالبة بتعويض.
وأضاف ضياء في حديث إلى «الأخبار» أنه «بالرغم من ولاء أغلب الناشرين وقيادات الصحف للحكومة، إلا أن أداءها لا يرضي مراكز القوى المتصارعة داخل النظام، وقد برزت قضايا الفساد في الصحف، وأيضاً ظهر مؤخراً التباين في الموقف من الحوار الوطني، والتراجع عن مبادرة الحوار لمصلحة خيار الانتخابات». وتابع «إن الهجمة الأخيرة تعبّر عن الضيق والتبرّم من أي صوت غير صوت النظام، وهو صوت الانتخابات».
ودعا ضياء القوى الحيّة في المجتمع إلى التضامن والوقوف مع الصحافيين ضد الظلم، مؤكداً أن حرية الصحافة تهمّ المجتمع وتشكل جزءاً مهماً من نضاله اليومي من أجل الحريات والحقوق الاساسية. ويبدو أن مصادرة الصحف جزء من عملية التضيق على الحريات العامة التي تنادي بها أحزاب المعارضة السودانية.