شهدت الرياض في الأيام الثلاثة الماضية حراكاً دبلوماسياً خليجياً يأتي في ظل حديث عن تغيير في السياسة الخارجية للسعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، باتجاه إقامة حلف سني في مواجهة إيران، بما يتضمنه ذلك من انفتاح على تركيا وقطر وعلى الإخوان المسلمين. فبعد زيارة أمير الكويت، صباح الأحمد الجابر الصباح يوم الأحد وتلته بعد أربع وعشرين ساعة زيارة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد آل نهيان، جاء الدور أمس على أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني الذي أجرى جولة محادثات مع سلمان.

ووفقاً لوكالة «الأنباء السعودية»، بحث سلمان مع أمير قطر العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها في شتى المجالات، بالإضافة إلى بحث مستجدات الأوضاع على الساحات الخليجية والعربية والدولية.

الحراك الدبلوماسي الخليجي حيال الرياض يأتي في سياق رسم مشهد خليجي موحد حيال العديد من الملفات التي طرأت على الساحة، إلا أن لزيارة تميم عوامل كثيرة تجعلها مختلفة عن الزيارات السابقة، وهي تأتي بعد أيام على زيارة ولي ولي العهد السعودي، محمد بن نايف للدوحة ولقائه تميم. فالسعودية في عهد سلمان أمام تغييرات في السياسة الخارجية للمملكة ومقاربات جديدة للملفات على الصعيد الإقليمي والدولي بعد استكمال الملك الجديد للـ«انقلاب» على تركة الملك الراحل عبدالله.
فسلمان تسلم الحكم على وقع أزمات خارجية تمثلت في تراجع حلفاء الرياض مقابل تقدم أعدائها في كل من اليمن التي استولى «أنصار الله» فيها على الحكم وتقدم عسكري للجيش السوري على اكثر من جبهة في مواجهة «الإرهابيين»، أضف إلى ذلك التقدم في سير المواجهة مع «داعش» في العراق وتقارب إيراني أميركي، في وقت شهدت فيه أسعار النفط تراجعاً كبيراً.
هذه المتغيرات على الساحة الإقليمية والدولية فرضت على الحكم السعودي مقاربة جديدة للسياسة الخارجية تهدف في الأساس إلى حماية استقرار السعودية وتضمن لها استمرار تأثيرها وحضورها على الخريطة العالمية كفاعل فيها وليس مجرد متفرج. وما يسهل من إجراء هذه التعديلات على خيارات الرياض الخارجية، اطلاع سلمان على غالبية الملفات بحكم قربه من دوائر صنع القرار في المملكة، بل ومشاركته في صنع القرار طوال أربعين عاماً مضت.
العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، العلاقة مع تركيا، والعلاقة مع إيران، ثلاثة ملفات ستكون فيصلاً في الحكم على تغيير السياسة الخارجية للسعودية في المرحلة المقبلة.
مؤشرات كثيرة اعطت الانطباع بأن تغيراً ستشهده العلاقة بين الرياض و«الإخوان» المصنفين كجماعة إرهابية في السعودية في المستقبل القريب. فبعد ما سرب عن لقاءات جمعت «سديريين» من الأسرة الحاكمة مع قيادات «إخوانية» وما رافقه من تصريحات «متفائلة» لـ«الإخوان» حيال تغيير في تعاطي الرياض مع التنظيم في عهد سلمان، جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، لتؤكد أن تغييراً يطبخ في ملف العلاقة السعودية ـ الإخوانية، وذلك عبر قوله في تصريح للكاتبة سمر المقرن، في صحيفة «الجزيرة» السعودية: «ليس لنا أي مشكلة مع الإخوان المسلمين، مشكلتنا فقط مع فئة قليلة تنتمي إلى هذه الجماعة، هذه الفئة هم من في رقبتهم بيعة للمرشد». تصريحات تشي بمحاولة لإعادة تأهيل الإخوان بشروط سعودية بما يضمن تحويلها الى تنظيمات قطرية تطيع ولي الأمر ولا تتبع مكتب الإرشاد.
التغيير المتوقع مع «الإخوان» يستلزمه تغيير في العلاقة السعودية ـ التركية التي شهدت في عهد الملك عبدالله تدهوراً كبيراً نتيجة «التاشبك» بين الرياض وأنقرة في أكثر من ملف أبرزها في سوريا ومصر. هنا أيضاً يبدو أن تغييراً يرسم بعناية على صعيد العلاقات السعودية ـ التركية. مؤشرات هذا التغيير بدأت بالظهور توالياً منذ وفاة الملك عبدالله؛ فبعد قطعه لزيارته الأفريقية للمشاركة في تشييع عبدالله، ينوي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة الرياض قريباً من ضمن جولاته الخارجية التي يعتزم القيام بها هذا العام. أضف إلى ذلك لقاء وزير الداخلية التركي، إفكان ألأ، مع ولي ولي العهد، محمد بن نايف في الرياض حيث بحثا ملفات تهم البلدين وسبل تعزيز العلاقات بين البلدين والزيارة المرتقبة غداً لرئيس هيئة أركان الجيش التركي الجنرال نجدت أوزال. وكان قد سبق ذلك أرسال تركيا السفينة الحربية الوطنية «بويوكادا» إلى ميناء جدة البحري في إطار مناورات عسكرية مع دول البحر الأحمر.
وكان الملك سلمان قد تولى حين كان ولياً للعهد ملف العلاقات بين المملكة وتركيا. وقد أرست الاتفاقيات التي وقعها خلال زيارته لأنقرة في أيار 2013 أساساً متيناً للعلاقات يمكن الاستناد إليها لعودة الحرارة في العلاقات بين البلدين بعد التدهور الذي شهدته عقب دعم الرياض إطاحة نظام «الإخوان» في مصر مقابل اعتراض أنقرة لما سمّته «الانقلاب».
وحسب مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، يضع الملك سلمان العلاقات مع أنقرة في مقدمة أولوياته، خصوصاً أن من شأن هذه العلاقات أن تكون مؤثرة في قضايا مهمة للمملكة في دول عديدة.
بدوره أوضح مركز أبحاث «سيتا» التابع لرئاسة الوزراء التركية في دراسة نشرها بعنوان «المملكة العربية السعودية بعد الملك عبد الله: عودة السديريين» عن وجود توجه لدى الحكومة التركية «لتوظيف التغيرات الداخلية التي تشهدها السعودية لأجل دعم محاولات إصلاح العلاقات بين البلدين».
تدرك الرياض أن نجاحها في إدارة ملفي العلاقة مع «الإخوان» وتركيا تطلب مساندة قطر التي تعتبر عرابة «الإخوان» في العالم العربي وحليفة قوية لأنقرة.
وليست أهمية زيارة الأمير القطري للرياض بما ذكر عنها في الإعلام، بل في ما دار خلالها في الكواليس من تفاهمات حيال العديد من الملفات، بعد أن كانت المباحثات بين تميم ومحمد بن نايف قد حظيت بتكتم على تفاصيلها.