ماردين عربيّة... لكنّها لا تسعى إلى «حضن أمها»


أنطاكية ـ معمر عطوي
على الضفة اليسرى من نهر العاصي اللبناني، الذي ينخر عباب الأراضي السورية وصولاً إلى لواء الإسكندرون، تجثم مدينة أنطاكية التاريخية الكئيبة، التي لا تبعد عن شاطئ البحر سوى 30 كيلومتراً.
في أنطاكية، حال مختلفة عما هو سائد في بقية المناطق التركية التي زرناها، وخصوصاً الشمال والوسط والغرب. فالمدينة العريقة الواقعة في أقصى الجنوب الغربي من تركيا، لا تزال مهملة وفقيرة، كأنها خارجة من رحم التاريخ، ليس فقط بمعالمها القديمة، بل حتى بوجوه مسنّيها وأسواقها الشعبيّة النابضة بعبق التراث وبساطة العيش.
تتبع أنطاكية لمحافظة «هاتاي» التركية الجنوبية منذ 1939، حين سلبتها أنقرة من سوريا بدعم فرنسي، بينما كانت في الأصل تتبع للواء الإسكندرون السوري.
يقول أحد رتباء الشرطة إن «المدينة طبعاً فقيرة لأن أهلها مزارعون وفقراء في الأصل. لكن هذا لا يمنع من كونها مدينة تركية وتتمتع باهتمام الحكومة كغيرها من المحافظات».
تشعر وأنت تذرع طرقاتها الضيّقة وسوقها المغطى على غرار سوق الحميدية الدمشقي بأنك في بلاد الشام؛ الناس يتحدّثون العربية ويتشابهون في عاداتهم وتقاليدهم مع السوريين. حين تسأل عامل الفندق عن وجود أكراد في المدينة يجيب بصرامة «كلنا أتراك هنا. معظم أهالي المدينة من الطائفة العلوية». الإجابة عن سؤال ذي طابع إثني هنا، تتخذ طابعاً دينياً، إذ إن العلوي في تركيا يُعدّ أحد أبناء شريحة واسعة انحازت منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى علمانية الدولة التي وجدت فيها ملاذاً آمناً أفضل من خلافة تتبع للمذهب السنّي. يمثّل العلويون حوالى ربع سكان البلاد، أي حوالى 19 مليوناً من 73 مليون تركي.
يخبرني بائع البندق بأنه يحنّ إلى موطنه الأصلي سوريا. لكنّه يضيف «هنا نعيش جيداً، أفضل من أهلنا في سوريا. لكن علاقتنا مع أقربائنا خارج الحدود متواصلة. في الأعياد تفتح الحدود بيننا من دون تأشيرة».

جائزة فرنسية

ويبدو أن الدول الغربية التي عملت على تفكيك السلطنة العثمانية منذ بداية القرن الماضي قد ساعدت في عودة أنطاكية إلى سوريا بعد انهيار تركيا العثمانية في عام 1923. بيد أن هذه العودة لم تدم طويلاً، إذ قدّمت الحكومة الفرنسية التي كانت منتدبة على سوريا (1920 ـــ 1946) لواء الإسكندرون على طبق من فضة لتركيا. وكانت أنطاكية من أهم المعالم التاريخية ضمن هذه «الجائزة» التي حصلت عليها أنقرة في عام 1939.
إضافة إلى البعد التاريخي والموقع الاستراتيجي، تمثّل أنطاكية معلماً دينياً مهمّاً لدى المسيحيين في الشرق. فهي أحد الكراسي الرسولية إلى جانب روما والإسكندرية والقسطنطينية (إسطنبول) والقدس، فيما يحمل بطاركة الطوائف التالية: السريان الأرثوذكس والروم الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والروم الكاثوليك والسريان الموارنة، لقب «بطريرك أنطاكية». وفيها كنيسة القديس بيار، التي تقع في أسفل جبل الحاج «ساوريس». ويوجد في أرضيتها قطع فسيفساء تعود إلى القرن الخامس. أمّا المتحف الأثري الذي يعدّ الثاني في العالم من حيث موجوداته من الفسيفساء، فيمثّل أحد عناصر المشهد الأنطاكي التاريخي والجمالي.

ماردين أيضاً عربية

ومن أنطاكية إلى ماردين مسافة بين الوريد والوريد. هنا أيضاً تشعر بأنك في بلد عربي، رغم غلبة العنصر الكردي. في هذه المحافظة الواقعة على الحدود مع سوريا، والتي يبلغ عدد سكانها قرابة مليون نسمة، عبق عربي واضح يفوح من شوارعها وأحيائها الفقيرة كما من لهجة أبنائها الذين تشعر بحنينهم إلى موطنهم الأصلي. هنا يستمتع الزائر بخرير مياه متدفقة من شلالات دفنة. كما تختال المدينة بتماثيل ولوحات قديمة وفسيفساء وأعمدة قصور ومعابد.
عاصمة هذه المحافظة هي مدينة ماردين الواقعة على الحد الفاصل بين الأناضول وبلاد ما بين النهرين. كانت هذه المدينة في الماضي البعيد مدينة سريانية وتعني «الحصن». ولكن السريان أصبحوا أقلية فيها، ويسكنها اليوم بشكل رئيسي الأكراد والأتراك والعرب.
وفي ماردين أقدم ديرين مسيحيين في العالم: دير مار حنانيا ودير مار كبرئيل. وتعدّ هضبة طور عبدين ومدينة مديات من معاقل المسيحيين الرئيسة.
ويشير أحد أبناء ماردين، الذي يعمل في تأجير الخيول للسياح في الجبل العظيم، إلى هجرة أبناء ماردين نحو غرب تركيا وشمالها بحثاً عن عمل، بسبب ارتفاع نسبة البطالة هنا.
يتحدّث يوسف المارديني، الذي يعمل في إسطنبول، عن عروبة المدينة رغم سيادة العرق الكردي فيها، لكنّه يتحفّظ لجهة الإجابة عن سؤال عن علاقة السكان السياسية بسوريا، لافتاً إلى أن «ماردين اليوم تركية ولا تسعى للعودة إلى حضن أمها الأصلية، على الأقل في المدى المنظور».