الخرطوم | تمضي الحكومة السودانية بخطى واثقة نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في المواعيد التي حددتها غير عابئة بموقف المعارضة الرافض لهذه الخطوة وبطلبها تأجيل الاستحقاقين الانتخابيين.

وبداية هذا الأسبوع، أعلنت المفوضية القومية للانتخابات الجدول الزمني الخاص بالاقتراع وإعلان النتائج في الانتخابات المقررة في شهر نيسان المقبل، موضحة أن عملية الاقتراع ستستمر ثلاثة أيام تبدأ في 13 نيسان، وتنتهي في 15 منه؛ على أن تبدأ عملية فرز الأصوات يوم 16. ولفتت المفوضية إلى أن عدد المراكز الانتخابية سيبلغ 7133 مركزا في كافة ولايات السودان، بجانب 11 ألف لجنة انتخابية.

ويسود اعتقاد واسع بأن عدم استجابة الحكومة لنداءات المعارضة في تأجيل الانتخابات والتوافق على حكومة انتقالية تشرف على كتابة دستور جديد لرغبة النظام القائم بالاستئثار بالسلطة، ولكن هذه المرة عبر ادعائه شرعية الحصول عليها عبر صناديق الانتخابات.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، رفعت المعارضة من وتيرة عملها لاقناع الناخبين السودانيين بمقاطعة الانتخابات، وزادت من وتيرة عمل حملة «ارحل» التي اطلقتها لمقاطعة الانتخابات. وبدأ قادة المعارضة عقد عدد من الندوات السياسية في عدد من المدن، في سعي منهم لتوسيع نطاق حملتهم ودعوة قواعدهم والمواطنين في مختلف انحاء البلاد إلى عدم المشاركة في الانتخابات التي تصفها المعارضة بـ «انتخابات الدم».
كذلك عقد موقّعو وثيقة «نداء السودان»، التي أطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في كانون الأول الماضي، بغرض اسقاط حكومة الخرطوم، اجتماعاً جماهيرياً في مقر حزب «الأمة القومي» حضره أكثر من ألف معارض.
ووجهت أحزاب المعارضة المشاركة في الاجتماع نداءً إلى كل قطاعات الشعب السوداني، دعتهم خلاله إلى مقاطعة الانتخابات، مشددةً على أن إجراءها في الوقت الراهن من دون التوصل إلى اتفاق بين الحكومة والمعارضة، يؤكد أن الحكومة الحالية لا ترمي سوى الى مواصلة حكمها للسودان، وأن هذا الإصرار على اجراء الانتخابات في التاريخ المعلن ما هو إلا إعلان لنهاية مسيرة الحوار الوطني.
وبينما استقبل المواطنون حملة المقاطعة بآراء متباينة غلبت عليها اللامبالاة من المقاطعة، ومن الانتخابات نفسها، فإن قادة حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم هددوا بأن السلطات ستتعامل بحسم وستتخذ كافة الخطوات القانونية ضد كل من يحاول التشويش على العملية الانتخابية أو تحريض الناخبين على عدم التصويت.
لكن تلك التهديدات لم تثن الأحزاب المعارضة عن تمسكها بموقفها الرافض والمقاطع لإجراء الانتخابات، وهو ما أكده القيادي في الحزب «الشيوعي السوداني»، صديق يوسف، الذي أجمل مبررات حزبه لمقاطعة الانتخابات في عدة نقاط أبرزها انعدام جو الحريات والتضييق على السياسيين، واغلاق دور منظمات المجتمع المدني والدور الثقافية، وهو مناخ بحسب يوسف لا يمكن أن تكتمل فيه انتخابات تتميز بالنزاهة والشفافية.
وقال القيادي الشيوعي، في حديث لـ «الأخبار»، إن موقف حزبه من مقاطعة الانتخابات ثابت ولا رجعة عنه، وأضاف «كيف يمكننا المشاركة في انتخابات لا تشمل دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان»، مشيراً إلى أن استثناء تلك المناطق من العملية الانتخابية «أكبر دليل على أن الانتخابات المقبلة لن تفضي إلى ديموقراطية تؤدي إلى إصلاح السودان».
وبالتزامن مع «الاشتباك» الحاصل بين السلطة والمعارضة بسبب الانتخابات، تواصل السلطات اعتقال سياسيين بارزين في قوى المعارضة كانت قد بدأتها منذ نهاية كانون الأول الماضي. ومن المنتظر أن تبدأ محاكمة رئيس تحالف «قوى الإجماع الوطني»، فاروق أبوعيسى، ورئيس «كونفدرالية منظمات المجتمع المدني»، أمين مكي مدني يوم الاثنين المقبل أمام محكمة الإرهاب الخاصة في جنايات الخرطوم.
ورداً على انطلاق محاكمة أبوعيسى ومكي أعلن 30 كياناً من المنظمات المكونة لـ «كونفدرالية المجتمع المدني» أول من أمس، تعليق عملها لأجل غير مسمى، تعبيراً عن استيائها واستهجانها للانتهاكات التي تمارس على منظمات المجتمع المدني وقياداته.
وكانت السلطات قد اعتقلت رئيس «قوى الإجماع الوطني»، فاروق أبو عيسى، الذي تدهورت حالته الصحية ونُقل للمستشفى أكثر من مره منذ اعتقاله، و«رئيس كونفدرالية منظمات المجتمع المدني»، أمين مكي، وذلك بعد توقيعهما وثيقة «نداء السودان» مع حزب «الأمة» المعارض و«الجبهة الثورية» التي تقاتل الحكومة في النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة وتتحالف مع الحركات المسلحة في دارفور، ولم يستثنِ امر الاعتقال المرشح السابق للحزب الحاكم في ولاية النيل الأزرق، فرح عقار الذي لم يوقع الميثاق، لكنه التقى قوى «الجبهة الثورية» أثناء توقيع الاتفاق.
ويرى مراقبون أن مضيّ الحكومة واصرارها على اجراء الانتخابات في الموعد المحدد لها في نيسان المقبل، أدّيا إلى شق صف الأحزاب المكونه لآلية الحوار الوطني المعروفة اختصاراً بـ (7+7)، حيث شهدت الاجتماعات الأخيرة التي جرت بين أعضاء تلك اللجنة غياب لافت لممثلي أحزاب «الوحدة الوطنية»، وهي مجموعة من الأحزاب الصغيرة الموالية سياسياً لحزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، الشيء الذي لم تقبله بقية الأحزاب الممثله في لجنة (7+7). ويتضح جلياً من التأجيل المستمر للقاء الرئيس عمر البشير بأعضاء تلك اللجنة أن مبادرة الحوار الوطني في طريقها نحو الانهيار، وأن العلاقة بين الأحزاب المكونه للجنة الحوار الوطني و«المؤتمر الوطني» في طريقها نحو التصدع.
وذكر مصدر رفيع في الاتحاد الأفريقي أن لجنة الوسيط الأفريقي للسودان ثابو امبيكي تجد أن الحوار الوطني لا يمضي بصورة جيدة، وقال المصدر لـ «الأخبار» إن لجنة (7+7) تعاني مشاكل في الفترة الحالية.
وكنتيجة لذلك، أعلنت حركة «الاصلاح الآن» تجميد مشاركتها في آلية الحوار الوطني ومقاطعتها الانتخابات، وهو ما أكده لـ «الأخبار» نائب رئيس الحركة، حسن عثمان رزق.
وقال رزق إن الحركة قررت مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة فيها، ومقاومتها بالطرق السلمية، مضيفاً إن الانتخابات ينبغي أن تأتي كاستحقاق للحوار، ولكنّ النظام في رأي رزق استبق مخرجات الحوار بإعلانه إقامة الانتخابات في «محاولة منه لوضعنا أمام الأمر الواقع».
وشدد رزق على ضرورة الاتفاق على تشريعات الانتخابات ومفوضيتها وإدارتها بين كل ألوان الطيف السياسي السوداني، واصفاً الانتخابات التي يقوم بها حزب واحد، ويتصدق بها على الآخرين بأنها ليست انتخابات، ولا يمكن أن تمثل السودان.
وتابع رزق «الآن ليست هناك أي دولة او أي جهة معتبرة تعترف بالانتخابات، فهي ملفوظة داخلياً وخارجياً».
في غضون ذلك، أكدت مؤسسة الرئاسة السودانية أن مبادرة الحوار الوطني ستستمر حتى يجري التوصل إلى اتفاق وطني يضع حداً نهائياً للصراعات والحروب في السودان، وجدَّدت التأكيد على إجراء الانتخابات العامة في موعدها المقرر.