تبدو تركيا الدولة الوحيدة التي راكمت إنجازات على صعيد علاقتها بفصائل المعارضة السورية. خلال السنوات الماضية، شهدت قطر والسعودية نكسات على صعيد المجموعات التي ترعاها، وحدها أنقرة حافظت على مستوى علاقة تصاعدي ومتنوع مع الفصائل المختلفة، لتتوجها أمس بعملية «من دون أي طلقة رصاص»، في عمق الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة «عدويها» المفترضين: «الوحدات» الكردية، و»داعش».


بعيداً عن المجموعات «المباشرة» كالكتائب التركمانية، كان للدولة التركية تأثير كبير على معظم الفصائل الكبرى («الجبهة الشامية» نموذجاً)، وخصوصاً في الشمال السوري. وتكاد تكون القوة الوحيدة التي خَبِرت اتفاقات ضمنية مع تنظيم «داعش». ضريح سليمان شاه «الشِركي» (حسب وصف التنظيم) والمحاصر لم يشهد، مثلاً، مصير أضرحة وقبور المواطنين والأولياء في المناطق التي دخلها «جنود البغدادي».
اليوم، ورقة جديدة في الشمال السوري أظهرتها تركيا، الدولة التي تعاملت مع معركة عين العرب بمبدأ رابح ــ رابح، كونها رَعَت كسر شوكة «حزب الاتحاد الديموقراطي» PYD (صاحب مشروع «الإدارة الذاتية») عبر الهجوم «الداعشي» الكاسح على مدينة عين العرب وريفها في أيلول الماضي لتبرّر بعدها أي تدخّل لها بحجة وجود التنظيم الأصولي على حدودها، ثمّ سمحت لقوات البيشمركة العراقية بالتدخّل ودعم أكراد سوريا بعد اتفاق مع أربيل (كردستان العراق)، بالتزامن مع بدء غارات «تحالف أميركا». يوم أمس، دخلت الآليات التركية من معبر مرشد بينار (عين العرب) واخترقت بسلام نقاط «وحدات حماية الشعب» الكردية لتصل إلى قبر سليمان شاه «المحاصر»، وتنهي عملية مدتها ساعات من دون أي طلقة. أنقرة «المرتاحة» شمالاً وضعت قرية آشمه (غربي عين العرب) «تحت سيطرة الجيش»، ورفعت العلم التركي عليها، واتخذت منها موقعاً جديداً للضريح. الموقع الذي يبعد نحو 200 متر عن الحدود، أصبحت أنقرة تتعامل معه كجزء من أراضيها، واليوم هو تحت أعين الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PYD)، أي أصبح الوجود التركي في المنطقة الكردية السورية نقطة انطلاق رئيسية في الشمال، وأصبح لدى أنقرة «ذراع مسلح» داخل «كانتون كوباني»، وبالتالي على أكراد سوريا أن يفكّروا مرتين قبل انتهاج سياسات تتناقض مع المصالح التركية.

دمشق: تركيا
قامت بعدوان سافر على
الأراضي السورية

بالتزامن مع المعركة الحساسة التي تجري في ريف حلب الشمالي بين الجيش السوري والمعارضة المسلحة المدعومة من أنقرة، تؤكّد هذه الأخيرة وجودها «الرسمي» في نطاق عمليات قريب (تحرّكت آلياتها وجنودها في عمق الريف الحلبي في حوالى 30 كيلومتراً)، وبآلاف المسلحين في النطاق الأبعد في منطقة تمتدّ من حلب المدينة نحو الحدود. ورغم ذلك، أبلغت تركيا الجانب السوري مسبقاً بالعملية، ما يعني عدم رغبتها بأي احتكاك قد يتوسّع إلى حرب بين الجانبين.
تنظيم «وحدات حماية الشعب» أكّد أن عناصره «المكلفين من قبل القيادة» التقوا مع المسؤولين الأتراك مدة 4 أيام قبل إتمام العملية، وشاركوا في وضع خطة العملية وكيفية مشاركتهم.
أما تركيا، فأكدت اتصالها (مع الأكراد) بحلفائها البيشمركة في «كوباني». وأشار رئيس وزرائها أحمد داود أوغلو إلى مشاركة «39 دبابة، و57 عربة مدرعة، و100 آلية، و572 جندياً في العملية»، متحدّثاً عن تزامن ذلك مع «توجه قوة عسكرية أخرى إلى قرية آشمه تمهيداً لنقل الرفات إليها في الأيام المقبلة بعد نقلها موقتاً الى تركيا». كما لفت إلى أنّ قرار العملية التي أطلق عليها اسم «شاه فرات»، «اتخذ في أنقرة في إطار القواعد القانونية دون طلب إذن أو استئذان».


مسرح العمليات جاهز

العملية التركية، سبقها تحضير مسرح العمليات من حلفائها، إذ أعلنت «غرفة عمليات بركان الفرات» (فصائل «شمس الشمال» و«جبهة الأكراد» و«ثوار الرقة»)، قبل يومين، أنّ جسر قره قوزاق ومنطقة قره قوزاق ومفرق صرين وصوامع صرين، منطقة عسكرية. وكانت هذه الفصائل قد سيطرت قبل أيام على ثلاث قرى (ناصرو، وخروص، وجعدة) في الريف الجنوبي لمدينة عين العرب بعد اشتباكات مع عناصر «داعش»، وبذلك وصلوا إلى محيط جسر قره قوزاق، وأصبحوا على مقربة من ضريح السلطان سليمان شاه.

كذلك أعلنت، بالتزامن، «وحدات حماية الشعب»، منطقة جسر قره قوزاق ومفرق صرين والصوامع مناطق اشتباكات، مؤكدة خلوّ المنطقة بينهم وبين ضريح سليمان شاه من وجود مباشر لتنظيم «داعش». كذلك أفاد «المركز الإعلامي لوحدات حماية الشعب» بأنّ «المكلفين من قبل القيادة في كوباني التقوا مع المسؤولين الأتراك مدة 4 أيام وتناقشوا حول مخطط حملة ضريح الشاه سليمان». وأضاف البيان إنّه «أوصلت وحداتنا بعرباتها الجيش التركي إلى ضريح الشاه سليمان، وذلك في الطريق الذي تم تحديده سابقاً، وتحصنت قواتنا في المواقع التي تسيطر عليها، كما أدت بنجاح المهمات التي تقع على عاتقها لإيصال قوات الجيش التركي».


«بروفة سابقة»

أواخر الشهر الماضي، كتب الصحافي التركي الشهير متهان دمير (مدير جريدة «حرييت» السابق في أنقرة) أنّ «الجنود (الأتراك) المحاصرين داخل الضريح، وفّر لهم تنظيم داعش الماء والغذاء»، عندما تأخّر تسليم الإمدادات من تركيا. إذاً لا يعتبر الخوف التركي الرسمي من أي ردّة فعل ميدانية لتنظيم «داعش» حقيقياً، إذ سبق لأنقرة في نيسان الماضي إيصال إمدادات لجنودها في الضريح مع تبديلهم. حينها، نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن «القيادي الميداني المعارض» في ريف حلب، منذر سلال، أنّ «تنسيق الحكومة التركية مع تنظيم الدولة الإسلامية ليس جديداً»، مؤكداً أنّه «قبل ثلاثة أشهر أمّن (داعش) دخول قوة تركيا لتبديل عناصر حماية الضريح (سليمان شاه)، مشترطاً آنذاك على الجانب التركي الحصول على بعض الأسلحة وإنزال العلم التركي المرفوع عن الضريح».
حينها، أكد المتحدث باسم «وحدات حماية الشعب» ريدور خليل أنّ «تنظيم داعش تسلّم حماية الرتل التركي بعد عبوره من المناطق الكردية». وكان «مركز حلب الإعلامي» قد أكّد أنّ عناصر من «داعش» رافقوا رتلاً للجيش التركي قرب الضريح سليمان شاه في ريف منبج، خلال عودته إلى تركيا، مشيراً إلى أن «عناصره رافقوا الرتل من أجل تأمين حمايته، الأمر الذي دعا البعض إلى الاعتقاد بأن التنظيم سيطر على الرتل».


دمشق: عدوان سافر

من جهتها، رأت دمشق أن تركيا «قامت بعدوان سافر على الأراضي السورية». ولفتت في بيان لوزارة الخارجية إلى أنه «بالرغم من قيام وزارة الخارجية التركية بإبلاغ القنصلية السورية في اسطنبول عشية هذا العدوان بنيتها نقل ضريح سليمان شاه إلى مكان آخر، إلا أنها لم تنتظر موافقة الجانب السوري على ذلك كما جرت العادة وفقاً للاتفاقية الموقعة عام 1921 بين تركيا وسلطة الاحتلال الفرنسي أنذاك». وليل أمس، أوضح وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أنّه «أبلغنا القنصلية السورية من خلال مذكرة دبلوماسية، أننا نخلي المكان (منطقة الضريح)، إلا أن هذه أرضنا، وسنعود إليها، كما أبلغناهم أننا سنقيم الضريح مجدداً في قرية أشمه، وعليه فليس هناك أي ترك للأراضي...».




ضريح سليمان شاه: من «مرج دابق»... إلى آشمه

يقع ضريح سليمان شاه، جد عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية العثمانية، على ضفة نهر الفرات قرب مدينة منبج في ريف حلب. ولما احتل السلطان سليم الأول سوريا إثر معركة مرج دابق (حلب) في آب 1516، أقام قبراً لائقاً بجدّ العثمانيين دعاه الرحالة «المزار التركي». ثمّ عندما تقرّر عام 1968 إنشاء سدّ الفرات في موقع الطبقة (مدينة الثورة حالياً) ما سيؤدي إلى أن يُغمر كامل الضريح وأجزاء من قلعة جعبر بمياه بحيرة السد، تقرّر نقل الضريح الى تلّة مرتفعة شمال تل قره قوزاق. وبحسب المادة التاسعة من معاهدة أنقرة الموقعة بين تركيا وفرنسا في عهد الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1921، جرى الاتفاق على أن يبقى «ضريح سليمان شاه» تحت السيادة التركية، ويسهر على حمايته جنود أتراك ويرفع فيه علم تركي.