«أرض الشام أمانة برقبتكم يا شيخ». ودّع «الانغماسي (الانتحاري) أبو قيس الحموي»، قائدَ «جبهة النصرة» أبا محمدٍ الجولاني، على الجهاز اللاسلكي، قبل أن ينفذ عمليته بالقرب من مبنى المحافظة في إدلب. يكرر الحموي هذه الجملة، متمنياً لو أنه التقى الجولاني يوماً، فيرد الأخير بأنه يُقبّل التراب الذي «تمشون عليه». هكذا يبدأ الفيلم الوثائقي الجديد «سبيل النجاة في وجه المؤامرات»، الصادر عن مؤسسة المنارة البيضاء، الذراع الإعلامية لـ«جبهة النصرة» ــ فرع تنظيم «القاعدة» في بلاد الشام.


في الشكل، الفيلم مدّته 48 دقيقة، ويتلاقى مع أفلام مؤسستي «الفرقان» و«الحياة»، التابعتين لتنظيم «داعش». التشابه كبير، لناحية التقنية والأسلوب المعتمد: الأدبيات، الكادرات، التظلّم والشكاية، استصراحات «البيئة الحاضنة»، والاقتباسات من كلام «أعداء الله ودينه». يُذكّر الفيلم بأفلام «داعش» الأولى (عندما كانت لا يزال العراق وحده) كـ«فرحة المسلمين بقيام دولة الموحدين»، و«صلاح الدين بردع المرتدين». أفلامٌ مملة، طويلة، وشكاية دائمة عن «الظلم» اللاحق بهذه الجماعات. لكن الفيلم يختلف تقنياً عن سابقاته، نظراً إلى التطور الكبير في عالم الإنتاج، منذ 2006 حتى يومنا هذا.
في المضمون، الفيلم يتوزّع على محاور ثلاثة، يتناول «الإنجازات» التي حققتها جبهة النصرة على الأرض السورية. فبعد استعراض عملية «أبو قيس» في إدلب، ينتقل الفيلم إلى ريف دمشق، وتحديداً إلى معسكرات الجبهة في «الغوطة الشرقية المحاصرة». مشاهد لتدريب «كتيبة الانغماسيين» وتجهيزهم قبل «غزوتهم» على محور حرستا، وعبورهم لنفقٍ استغرق حفره سبعة أشهر. يخترق النفق مسافةً كبيرة من حرستا. قصفٌ تمهيديٌّ عنيف، بمختلف الأسلحة الفردية منها والمحمولة. دخانٌ متصاعد من الأبنية، تليه أصوات التكبير والتهليل... يصوّر الفيلم «إنجاز الجبهة» بالوصول إلى الطريق السريع على محور حرستا ــ القابون. طبعاً لم تكن المادة البصرية معروضةً وحدها. بل أُسقطت عليها الأدبيات «الجهادية» التي حفظها متابعو أفلام «داعش» عن ظهر قلب. ينتهي المحور الأول، بإعلان الموقف: الصمود في وجه المؤامرات المحاكة ضد «أهل الشام» من النظام والغرب.
يبدأ المحور الثاني. استصراحاتٌ وآراء «للمسلمين»، حول عمليات درعا والقنيطرة. تغيب عن مؤيدي «النصرة» كلمة فلسطين أو الجولان المحتل، فإسرائيل هي البديل. الجيش السوري ينقل وحداته العسكرية، إلى الجنوب، بعدما حرّرت الجبهة المناطق المحاذية لإسرائيل. فالمناطق في الريف الغربي والشمالي لدرعا والريف الجنوبي والأوسط للقنيطرة، هي مناطق استراتيجية للجبهة، «وتؤمّن الدعم للمجاهدين». يحاول الفيلم استعادة أمجاد الماضي قبل العمليات الأخيرة للجيش السوري قرب القنيطرة. يستعرض «فتوحات» القرى في ريفي درعا والقنيطرة، ويُعيد ترتيب المقاطع التي سبق أن نشرها حساب «شبكة مراسلي المنارة البيضاء»، بتسلسلٍ زمني وعرضٍ مملٍّ نسبياً، مقارنة بأفلام قرينتها «داعش». الجبهة في فيلمها، تحاول ان تُظهر أن لها شرعية شعبية، من خلال الهتافات المؤيدة من محبيها «لتحريرهم من ظلم الجيش النصيري»، و»أعراس النصر» ونحر الخراف «مكرمة للمجاهدين». ينتهي المحور الثاني، بشكوى المعلّق «ظلم المسلمين»، و«المؤامرة التي تُحاك ضدهم»، و«التحالف العسكري بين الصليبيين والنظام». والدليل؟ قصف طائرات التحالف مقارّ «جبهة النصرة».
المحور الثالث والأخير تفتتحه قناة الجزيرة، بتقاريرها المتعاطفة، وإشادتها بإنجازات الجبهة في معسكر وادي الضيف (ريف إدلب). قد يكون إنجاز وادي الضيف أبرز إنجازات النصرة منذ بداية الحرب السورية تعتز به. تفتخر أنها «استطاعت إعادة المهجرين إلى ديارهم بعد ثلاث سنوات من التهجير». قبل بدء الهجوم، يقف المسلحون استعداداً. يحفّزهم قائدهم، ويحذّرهم من زوغ النوايا. يربط المسلّحون حول أذرعهم «شارة زرقاء»، ويستعدّون للدخول. يتّبعون تشكيلاً طوليّاً وتحت غطاء ناري، يقتحمون المعسكر من ثلاثة محاور. مشاهد الاشتباك تضفي نوعاً من الحيوية مجدداً، وتُبعد عن المشاهد الملل. تعلّمت النصرة من «داعش» كيف تبث الروح في أفلامها، باستخدام تقنية تبطيء الصورة (slow motion). كانت معركة حامية الوطيس، انتهت بما تقدّمه «النصرة» «انتصاراً للإسلام على الكفر».
النهاية كنهاية أفلام «داعش»: صور للجثث والأشلاء المنثورة. أناشيد «جهادية»، و«قفلة» تؤكد الثبات والمضي في الجهاد، ليختتم الفيلم بالدعوة التي وجهها أمير تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري إلى الجهاد ووحدة البندقية «الجهادية».
استطردت «النصرة» وأسهبت في عرض مزاعمها، بشكلٍ ممل نسبياً. «فأختها» داعش، بدأت مشوارها الفني ــ الإعلامي بهذه الطريقة، لكنها استدركت أن المُشاهد يهمه اختصار مدة الأفلام، والإيصال المباشر للمعلومة، وإضفاء العنصر «الهوليوودي»، فعملت على التطوير البنيوي لأفلامها، ما أدّى إلى انتقال «داعش» نوعيّاً في هذا المجال. «النصرة» تحذو حذو قرينتها، ترى في الأفلام منبراً لاستقطاب المسلحين إليها، وميداناً لإثبات وجودها في ساحة الصراع. خطفت «داعش» بأذرعها الإعلامية الأضواء من «النصرة»، وجعلتها الخبر الثاني بعدما كانت الأول، وسرقت منها «بوصلة المهاجرين الجهادية». الآن تحاول «النصرة» أن تعود إلى الواجهة، واستقطاب مقاتلين جُدد من خلال محاربةً «داعش» بسلاحها. في فيلمها الجديد، أرادت «النصرة» أن تبعث برسالة إلى من يرغبون في «الجهاد». لم تقلها بوضوح، لكنها كانت بين السطور: «أنا، لا «داعش»، العدو الحقيقي للنظام السوري ولأميركا وحلفائها في آن معاً. وأنا من يحقق الانتصار في الميدان».