من حين إلى آخر، يلقي رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات» في مصر، المستشار هشام جنينة، حجراً في مياه مواجهة الفساد الراكدة في القاهرة، التي تحتل المرتبة 94 عالمياً في مؤشر الفساد. يلقي الرجل الحجر ثم يختفي ليعود مرة أخرى، ويفعل ما فعله المرة الماضية دون أن يؤثر ذلك في شيء؛ لا الفساد يقل ولا أحد يعلق على تصريحاته في هذا الشأن.
لكنّ المرة الأخيرة كانت مختلفة بعض الشيء، فقد قال إن تكلفة الفساد في سنة 2015 التي لم يتبق سوى أيام قليلة على نهايتها، كانت 600 مليار جنيه، وهو رقم أذهل الجميع، لأنه يقترب من 55% من موازنة البلاد للعام المالي الحالي 2015 /2016، وتبلغ تريليون و148 مليار جنيه، منها 218 مليار جنيه فقط تذهب إلى الرواتب.
قبل هذا كله، ومنذ مدة طويلة، يحاول «الجهاز المركزي للمحاسبات» الدخول إلى مؤسسة الرئاسة لمراجعة أوراقها وإدراجها في تقارير الجهاز، لكن الأمر تأخر ما يقارب ثمانية أشهر، لأن الرئاسة تشترط «تصاريح أمنية» لدخول مراقبي أو مندوبي الجهاز إلى مكاتبها. ومن المفترض أن تكون كل تقارير الجهاز عن الرئاسة، بل كل المؤسسات الحكومية، انتهت قبل 30 حزيران الماضي. ومنذ أشهر قال جنينة هذه المعلومة لمقربين منه، ووصل الأمر إلى الرئاسة، ولكن لم يحدث شيء ولم يدخل المراقبون إليها، ثم أعلن الرجل في تصريحات بعد قضية الـ600 مليار أن التصاريح خرجت وأن العمل في مكاتب الرئاسة جار الآن!

قدّمت بلاغات ضد هشام جنينة بتهمة إذاعة أخبار كاذبة

الأحداث المتسارعة منذ تصريحات جنينة بشأن الفساد تقول إن كلامه عن تأخر التصاريح الأمنية جزء ممّا فعله الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أقواله، فهو لم يستدعه إلى الرئاسة مثلاً للاستماع بالتفصيل إلى ملف الفساد في الدولة، التي يشتكي السيسي بيروقراطية الجهاز الإداري فيها مراراً. آخر مرة تحدث السيسي في خطاب قائلاً لهم إن عليهم تجاوز اللوائح «لتسهيل الأمور والإنجاز دون فساد».
السيسي فجأة قرر تشكيل لجنة للتحقيق في أقوال جنينة، لم يكن من بينها جنينة نفسه، ولم يشر بيان الرئاسة إلى رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات» من قريب أو بعيد، بل قال إنه في إطار متابعة التصريحات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام بشأن تجاوز تكلفة الفساد داخل مؤسسات الدولة 600 مليار جنيه خلال عام 2015، شكلت الرئاسة لجنة تحقيق بتكليف رئيس هيئة الرقابة الإدارية وعضوية ممثلين، منهم المستشار هشام بدوي (نائب جنينة)، وممثلون عن وزارات العدل والداخلية والتخطيط والمالية.
حكومة المهندس شريف إسماعيل، المنوط بها مواجهة الفساد عموماً، لم تعلق على ما قاله جنينة أيضاً، كأن الأمر لا يخصها. حتى وزير المالية، هاني قدري، لم يقل شيئاً، فيما رجّح مراقبون أن تشكيل الرئاسة للجنة هو إزاحة لجنينة من منصبه الذي تنتهي مدته الأولى فيه خلال أيلول المقبل، وذلك بعدما صدر قرار أخيراً بتعيين المستشار هشام بدوي نائباً للجهاز، وهو كان يشغل منصب مساعد وزير العدل، أحمد الزند، لمكافحة الفساد. وهو الرجل نفسه الذي شهدت أشهر سابقة له مشكلات مع جنينة أيضاً، حينما صرّح الأخير بأن «نادي القضاة» في عهد الزند لم يسمح له بإجراءات التفتيش المالي، علماً بأن قانون «الجهاز المركزي للمحاسبات» يسمح لرئيس الجمهورية بتعيين رئيس الجهاز ونوابه من داخل الجهاز أو من خارجه.
جنينة، رغم تراجعه عن كون حجم الفساد الذي أعلنه يخص 2015 وحدها وصولاً إلى 2012، قال: «أنا جهة تدقيق مستندي، ولا أتحدث إلا ويكون معي مستندات عمّا أقوله. لا يوجد جهاز مثيل للجهاز المركزي للمحاسبات في التدقيق المستندي. أتحدث عن 600 مليار جنيه حجم الفساد المالي منذ 2012 إلى 2015».
الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد أعلن الأمين العام لائتلاف دعم صندوق «تحيا مصر»، طارق محمود الأمين، أنه يعتزم تحريك بلاغات ضد جنينة، أمام النائب العام، للتحقيق معه بتهمة إذاعة أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالاقتصاد القومي المصري، فيما تقدم «الجهاز المركزي للمحاسبات» أيضاً إلى النائب العام ببلاغ عن اختفاء مندوبه علي محمد عمر عقب الانتهاء من مأموريته في وزارة الأوقاف في السابع من الشهر الجاري. وفي هذا الإطار، قال المتحدث الرسمي للجهاز، أسامة المراغي، إن جنينة أجرى العديد من الاتصالات بالجهات الأمنية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من أجل الوصول إلى العضو المختفي.