بفعل الإجراءات التي يفرضها تنظيم "داعش" على نينوى (شمالي العراق)، تحوّلت هذه المحافظة إلى سجن كبير تتنوع فيه الأسباب التي تؤدي إلى الموت، وغيرها التي تدفع السكان إلى الهجرة من مدنها، رغم المهمة العسيرة التي تنتظرهم.
لم يكن يخطر في بال المواطن الموصلي ع. ج.، الذي تجاوز الخمسين من عمره، أن يتمكن من مغادرة مدينته (السجن)، بعدما أحكم "داعش" قبضته عليها ومنع السكان من مجرد التفكير في عبور الحدود إلى أي اتجاه كان، خصوصاً أنه كان يعرف جيداً إجراءات المنع والصعوبات التي سيواجهها، آخذاً في الاعتبار تجربة من لم يتمكن من الهرب من الموصل، بعد حزيران 2014 (تاريخ سقوط المدينة بيد "داعش"). لكن الموصلي أصرّ على الهرب مع زوجته وبناته الثلاث، على الرغم من يقينه بأن المحاولة محفوفة بالموت.
احتاج ع. ج. إلى أربعين يوماً قبل أن يصل إلى محافظة بابل (وسط العراق)، بسبب الفارق الكبير في المسافة بين المدينتين. الآن، هو يعيش في محافظة مستقرة، تحت سيطرة القوات العراقية، لكنه بدا حذراً في سرد قصته، كما أخفى بعض المعلومات خوفاً على أقاربه وجيرانه الذين ما زالوا تحت قبضة التنظيم في الموصل.
في كل لحظة من رحلة الأربعين يوماً، كان يتخيّل كيف سيتمكن مسلحو "داعش" من ضبطه وهو يهرب كأي سلعة ممنوعة عبر الحدود. "في يوم 29 تشرين الأول، وفي ساعة مبكرة، انطلقنا في شاحنة للنقل التجاري مختبئين بين البضائع، بعدما وافق صاحبها الذي تربطنا به صلة قرابة على أن يقلّنا مجاناً إلى أطراف نينوى، ومن تلك اللحظة لم تفارق مخيّلتي صور بناتي وزوجتي وهنّ يصرخن، بينما أُعدم رمياً بالرصاص إلى جانب سائق الشاحنة".
محافظة الأنبار (غربي العراق) التي تخضع غالبية أجزائها لسيطرة "داعش"، كانت المحطة التالية لـ ع. ج.، هناك ضبطه عناصر التنظيم وسألوه عن سبب تركه الموصل، فتحجّج بسوء حالة زوجته الصحية، عندها طالبوه بترك بناته عندهم أثناء توجهه إلى بغداد أو أي محافظة أخرى، لكنه رفض.

تنامي ظاهرة الهروب من نينوى دفع التنظيم إلى إطلاق حملة في الموصل لجمع البطاقات الشخصية

الموصلي الهارب يشير إلى أن رفضه ترك بناته عند مسلحي "داعش" دفعهم إلى اجتجازه على مدى ستة أيام، مع إجباره على التوقيع على تعهّد بالعودة إلى الموصل أو اتهامه بـ"خيانة الدولة". "في الاحتجاز تعرّفت إلى أسرة من الأنبار، كانت تروم الخروج من المدينة كذلك. أما بعد خروجنا، فقد اضطررت إلى أن أقضي الليل عند هذه الأسرة التي تسكن منطقة حصيبة الشرقية، بعدما أمهلني تنظيم داعش 24 ساعة للمغادرة". ولكن هناك كانت قصة أخرى بانتظاره؛ فقد تعرّف إلى "معاناة جديدة، ذلك أنه في البيت المجاور أسرة لم تنم الليل، بعدما اقتاد عناصر التنظيم ابنتها الوحيدة".
كثيراً ما يسمع ع. ج. سؤالاً واحداً يتردد على مسمعه، وهو عن سبب عدم مغادرته نينوى سابقاً، فيقول "في بداية الأمر، لم يكن المسلحون يتعرّضون للمسلمين السنّة، أما الآن فقد أصبح كل السكان في خطر، خصوصاً أن البنات معرضات للاعتداء في أي وقت. أما السبب الآخر فهو أن الكثيرين، ونحن منهم، كانوا يعتقدون بأن داعش لن يمكث طويلاً، وستعود الأمور إلى ما كانت عليه".
وصل هذا المواطن الموصلي إلى بابل مع زوجته وبناته ــ اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 عاماً و23 عاماً ــ قبل أيام من إصدار "داعش" قراراً بمصادرة البطاقات الشخصية لجميع سكان نينوى منعاً لهروبهم. وبحسب ما يقول مصدر محلي لـ"الأخبار"، فإن تنامي ظاهرة هروب الأسر من نينوى دفع التنظيم إلى إطلاق حملة شملت الجانبين الأيسر والأيمن لمدينة الموصل، بهدف جمع البطاقات الشخصية من السكان. المصدر يشير إلى أن مجاميع "ديوان الأمن" التابعة لـ"داعش" تتولى عملية جمع البطاقات، خصوصاً أن هناك تزايداً في أعداد المغادرين، الأمر الذي يخيف التنظيم.
وكانت معلومات متطابقة قد أشارت إلى أن "داعش" أمهل الأهالي في الموصل 15 يوماً للتخلص من أجهزة الاستقبال الفضائي "الستلايت". وأكدت هذه المعلومات أن عناصر التنظيم وزعوا، قبل أيام، منشورات ورقية على الأهالي في المدينة، كما قاموا بلصق البعض منها على جدران المباني وواجهات المحال في المناطق التجارية، يأمرون من خلالها بمنع بيع أو تداول أو حتى ترويج واستعمال وإصلاح أجهزة الاستقبال الفضائي. وقد توعّد التنظيم المخالفين لهذه الأوامر بمصادرة الجهاز والحبس لمدة ستة أشهر، إضافة إلى فرض غرامة مالية يصل قدرها إلى 250 ألف دينار عراقي (حوالى 225 دولاراً أميركياً).