القاهرة | يعتبر معهد البحوث والدراسات العربية واحداً من أهمّ، وربما يكون آخر، معاقل القوميين العرب. المعهد الذي تأسس بقرار من مجلس جامعة الدول العربية (أيلول 1952)، بدأ العمل فيه فعلياً في 1953، ومع إنشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1970، تم نقل تبعية المعهد إلى المنظمة، ثم قبلت عضوية المعهد في اتحاد الجامعات العربية اعتباراً من 1994.


تعاقَب على إدارة المعهد الذي تعدّدت إنجازاته طوال أكثر من نصف قرن، اثنا عشر مديراً، كان أوّلهم وأبرزهم الأستاذ ساطع الحصري، ومن بينهم الأديب الكبير طه حسين، قبل أن تصل الإدارة اليوم إلى الدكتورة نيفين مسعد. وقد بدت الكويت كأنها تجيء لتثأر من القوميين العرب، إذ لا تفسير آخر لما يحدث في أروقة معهد البحوث، والمنظمة العربية للثقافة والعلوم، غير ذلك. فطوال نصف قرن، وأكثر، لم يتعرض أحد مديري المعهد للفصل أو التحويل إلى التحقيق إلا حين تولّت الكويت رئاسة المنظمة العربية، المشرفة على المعهد، والتابع لها!
وقد تولّت الكويت رئاسة المنظمة في كانون الثاني 2013 عندما انتخب المرشح الكويتي الدكتور عبدالله محارب، وهو أستاذ لغة عربية، خلال المؤتمر العام للمنظمة في العاصمة التونسية مقر المنظمة. وكانت أربع دول عربية آنذاك قد تقدمت إلى منصب المدير العام للمنظمة المعروفة اختصاراً بـ«الكسو».
في ذلك اليوم لم تقدّم مصر مرشحاً عنها إرضاءً للكويت، أو ربما كانت قسمة مستترة وترضية، بأن تترأس الكويت منصب المدير العام لـ«الكسو»، وتبقى إدارة معهد البحوث لمصر، دولة مقر المعهد، لذلك رشحت القاهرة لمنصب مدير المعهد نيفين مسعد. لكن الرياح الكويتية لم تأت بما تشتهيه السفن القومية والمصرية، فاستخدمت الكويت حصتها المالية، ولوّحت بعصا الدينار، معلنة أنها ستمتنع عن دفع حصتها في جامعة الدول العربية حتى تقطع الطريق أمام كل الجهود الرسمية، بما فيها تدخل الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، حتى وصلت المناشدات إلى الرئاسة المصرية.
رغم ذلك، ظل الكويتي، محارب، ماضياً في قراراته ليتجاوز البعد الشخصي، لأن الحرب تمسّ واحدةً من أهم قلاع القوميين العرب، التي مضى عليها أكثر من ستين عاماً، وخرّجت عشرات الآلاف من الطلاب، في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية الأساسية، بتكلفة رمزية، كما أنتجت كتباً يدخل عدد كبير منها ضمن الإنتاج العلمي المتميز، فضلاً عن مئات من رسائل الماجستير والدكتوراه.
ورغم أنّ المعهد بات ملتقى لأبناء الدول العربية وغير العربية، وتولّى خريجوه مناصب متقدمة في بلدانهم، ومع أنّ «الكسو» تعرّف نفسها بأنها منظمة متخصصة (تعنى بتطوير الأنشطة في مجالات التربية والثقافة والعلوم على مستوى الوطن العربي)، فإن ما فعله محارب، في عامه الأول لتولي المنصب، لا يتقاطع مع ما تقوله المنظمة، إذ باتت قراراته مثار استغراب قائمة طويلة من المثقفين. فمع تتبع الحيثيات، لم يكن فعله قراراً شخصياً، بل بدت دولة الكويت تدعمه وتؤيد ما ذهب إليه، الأمر الذي دعا أكثر من 250 مثقفاً وأكاديمياً وقرابة عشر منظمات عربية وإقليمية إلى توقيع بيان يوضحون فيه أن «الكسو» سعت إلى «اختلاق مفضوح لتهم أدت إلى التحقيق مع نيفين مسعد، ثم عزلها عن وظيفتها وتخفيض درجتها، في أول سابقة من نوعها في تاريخ الجامعة العربية».
تبعات القضية لم يرَ البيان أنها تقتصر على أبعاد شخصية ووظيفية، بل أقحمت فيها دول الخليج تحديداً، لأن معظم التهم ضد مسعد «ذات طابع فكري، وتعود إلى عدة سنوات قبل توليها مسؤولية إدارة المعهد»... إلى حدّ سعى فيه مدير «الكسو» إلى التنقيب في صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أسّسها طلبة مسعد، وادعاء مسؤوليتها عن وثيقة مشكوك في صحة نسبتها للملك عبد العزيز، مؤسس الدولة السعودية، حول الموقف من فلسطين، وذلك «لاستعداء المسؤولين في المملكة على الدكتورة نيفين».
أيضاً جرى التحقيق مع مديرة المعهد في كتاب بعنوان «صنع القرار في الوطن العربي» الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت قبل خمس سنوات، وكذلك حوسبت على مواقف تبنّتها في برامج تلفزيونية تدافع فيها عن الوطنية المصرية، علماً بأن مسعد واحدة من القليلات اللاتي التقين الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، منذ عدة سنوات، وهو ما لم يثره بعد مدير «الكسو» الكويتي في جملة التحقيقات.
مجدداً، قد يظهر أن القضية بمجملها خلاف وظيفي، لكنه يعيد إلى الأذهان الخلافات العربية ما بين الأنظمة الملكية والقومية. صراع قيل إنه تلاشى بطيّ صفحة السبعينيات، لكن الكويت كمن لم يطو شيئاً، فوضعت يدها على مقتل القوميين بإفراغ آخر قلاعهم (معهد البحوث) المؤسسة العربية الوحيدة المعنية حصراً بالدراسات العربية.
ومنذ ذلك الوقت، ظل مكان مدير المعهد شاغراً منذ شهرين، ويتوقع أن يستمر بالشغور إلى منتصف العام الجاري، ولا سيما أن «الكسو» أعلنت على موقعها أنها تفتح باب الترشح حتى نيسان المقبل للمنصب، ما يعني بقاء أكثر من ألف طالب للدراسات العليا من دون مدير أكاديمي، فيما قد يؤدي ذلك إلى عزوف الطلبة الجدد عن الالتحاق بالمعهد الذي لا يتطلب دخوله التعقيدات والروتين الكبير، كمعادلة شهادات الليسانس التي تستغرق ثلاث شهور، فضلاً عن الموافقات الأمنية التي قد تفضي إلى رفض الدارس، مع تذكر الفارق في تكلفة الدراسة في المعهد مقارنة بغيره، فيما حقق المعهد اكتفاءً ذاتيا مالياً حتى لا يكلف الجامعة العربية عبئاً أو موازنة. كل ذلك يجري في مشهد إقليمي عربي لا ينقصه سوى «تآكل الدفاع العربي المشترك» على أنقاض دول تتهاوى!