تنشغل الساحة العراقية منذ أيام بترقب مآلات التقارب، المفاجئ، بين نائب رئيس الجمهورية لشؤون المصالحة الوطنية، إياد علاوي، وزعيم "التيار الصدري"، مقتدى الصدر، وأيضاً بمتابعة جدية لاحتمال تشكيل تحالف بينهما قد ينضم إليه رئيس "المجلس الأعلى"، عمار الحكيم.

ووفق المعلن ضمن دوائر سياسية في العراق، فإنّ الهدف من تحالف كهذا ينقسم بين أمرين: تقديم دعم لرئيس الوزراء حيدر العبادي، بالتوازي مع مساعٍ للحدّ من نفوذ نائب رئيس الجمهورية رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي.

وكانت النائبة عن "ائتلاف الوطنية" (بزعامة علاوي)، جميلة العبيدي، قد قالت في تصريح صحافي، إن "المباحثات انطلقت لتشكيل تحالف يضم (ائتلافها) وكتلي (الأحرار) بزعامة السيد مقتدى الصدر و(المواطن) بزعامة السيد عمار الحكيم، إضافة إلى نواب من كتل سياسية أخرى"، موضحة أن "إعلان تحالف إنقاذ العراق سيكون بعد الاتفاق النهائي مع الكتل السياسية". وأضافت أن "الكتل السياسية ماضية بالمباحثات لتشكيل التحالف، لأنه يهدف إلى إنقاذ العراق من الطائفية".
وكانت الإشارة الجدية الأولى لبدء تجميع هذا التحالف قد أطلقها علاوي بنفسه في حديث صحافي (مع الزميلة الشرق الأوسط، 21 شباط)، حين أعلن أنه التقى وفداً من الهيئة السياسية لكتلة "الأحرار" (التابعة للتيار الصدري) "وجرى التباحث والاتفاق على تشكيل الجبهة الوطنية التي ستعمل خلال الأيام القليلة القادمة في داخل البرلمان العراقي وداخل الحكومة لبلورة قرارات تخدم العراق والعراقيين وستكون عابرة للطائفية والقومية وتعمل على إنقاذ البلد من الصراعات السياسية والجهويّة حسب ميثاق الشرف الذي دعا إليه سماحة السيد مقتدى الصدر". وثمّن علاوي في حديثه، أيضاً، "القرار الحكيم والشجاع الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر (أخيراً) بتجميد عمل سرايا السلام ولواء اليوم الموعود وباقي السرايا المسلحة التابعة والمرتبطة بالتيار الصدري".
بدوره، قال رئيس كتلة الأحرار البرلمانية (الجناح السياسي للتيار الصدري)، ضياء الأسدي، إن "التحالف الجديد بين كتلتي الأحرار والمواطن وائتلاف الوطنية لن يخرجنا من التحالف الوطني"، الذي يشهد صراع أجنحة في الوقت الراهن حول مسألة اختيار رئيس له بعدما تولى رئيسه، إبراهيم الجعفري، وزارة الخارجية في الحكومة الجديدة.
وكانت مصادر قد تحدثت لـ"الأخبار" أنّ "التحالف الوطني" ينقسم بين الجناح المساند لرئيس الحكومة الحالية، حيدر العبادي، (يضم المجلس الأعلى والتيار الصدري وبعض الكتل الصغيرة) وهو يؤيّد تولّي السيّد عمار الحكيم الرئاسة، بينما يرفض جناح نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي هذا التوجه ويرشح القيادي في حزب الدعوة علي الأديب.
عموماً، في حال نجاح مساعي الأقطاب العراقية المعنية بتشكيل التحالف الجديد، فإنّ تداعيات ذلك ستتوزع بين: تأمين ظهير سياسي لحكومة العبادي يكون المالكي خارجه، إضافة إلى توجيه ضربة قوية إلى "التحالف الوطني" الذي يُعتبر منذ أعوام أحد المكونات الرئيسة للعملية السياسية في البلاد.
ومنذ تولي العبادي منصبه الجديد وخروجه الضمني من تحت عباءة المالكي ضمن حزب "الدعوة"، كان اعتماده الرئيسي يرتكز على دعم الصدر والحكيم. ومن المعروف أنّ العبادي لم ينجح حتى اليوم في تشكيل إدارة سياسية خاصة به تسانده في إدارة الحكومة.
كذلك، من المعروف أنّ علاوي كان تقليدياً خارج أطر "التحالف الوطني" تحديداً منذ بداية الولاية الثانية لنوري المالكي عام 2011. وبالتالي إنّ اجتماعه المحتمل مع أقطاب مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم يشير إلى تبدّلات باتت تلوح في أفق التركيبة السياسية في العراق، وحتى في أفق صيغة حكم البلاد التي أسس لها فعلياً عام 2006.
وليس العراق ببعيد في المرحلة الراهنة عن احتمالات إعادة تأسيس صيغة الحكم ضمن مؤسساته. والمعروف أنّ مثلث علاوي ــ الصدر ــ الحكيم بإمكانه قيادة تبدلات كهذه نظراً إلى علاقات جيدة ومتينة تربط أقطابه بمختلف مكونات البلاد السياسية، وكذلك مع أطراف إقليمية مثل السعودية، أو دولية، على رأسها الولايات المتحدة.

أين المالكي؟

في نهاية العام الماضي كان لافتاً الاستقبال الإيراني الرفيع المستوى لنوري المالكي حين زار طهران بعد خروجه من رئاسة الوزراء. التقى في حينه بكل من مرشد الجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، إضافة إلى وزير الخارجية محمد جواد ظريف.
بعد عودته إلى بغداد، دار حديث ضمن دوائر عراقية عن أنّ المالكي عائد حتماً إلى تصدّر المشهد السياسي في البلاد، وأنّ إحدى الأدوات لتأمين ذلك ستكون عبر إعادة هيكلة ائتلاف "دولة القانون" البرلماني، الذي يتزعمه، وتوسيعه ليصبح أكبر ائتلاف برلماني.
كذلك، في الأسابيع الأخيرة، كان الحديث أيضاً يدور عن احتمال تولي المالكي رئاسة، أو قيادة، "الحشد الشعبي". لم يخرج الحديث إلى العلن إلا في فترة متأخرة، ليتبع ذلك إعلان السيّد مقتدى الصدر رفضه تولي المالكي لهذه المهمة. وقال رداً على سؤال وجّه إليه بشأن "ما تناقلته بعض وسائل الإعلام" عن نية مجموعة من فصائل الحشد الشعبي "مبايعة" رئيس الوزراء السابق ليكون قائداً لقوى الحشد الشعبي، إن هذا الأمر "مخالف لفتوى ورأي المرجعية... ولا سيما بعد أن أقصته عن رئاسة الوزراء... فهو غير مرغوب به عندها". وأضاف أنّ "وصوله إلى هذا المركز فيه إعانة على الإثم لما صَدَرَ منه سابقاً". وختم بالقول إن "كلمة مبايعة فيها إشكال واضح، فهي للمعصوم حصراً... مثلي لا يبايع مثله".
واستطراداً، معروف اليوم أنّ قوات "الحشد الشعبي" (تأسست لمواجهة تمدد "داعش" بناءً على فتوى المرجع الديني السيّد علي السيستاني) باتت قوة رئيسة ضمن المشهد العراقي. وعلى سبيل المثال، قال تقرير لوكالة "رويترز"، صدر أول من أمس: "أصبحت (الحشد الشعبي) تقوم الآن بدور قيادي في العديد من العمليات الأمنية في العراق، ولكونها تُعَدّ جهة ربط بين طهران والحكومة العراقية والفصائل المسلحة، فلها دور مؤثر بشكل متزايد في تحديد مستقبل البلاد".
وقد تكون المساعي إلى استكمال المواجهة غير المعلنة مع نوري المالكي السبب الرئيس خلف انعقاد اللقاء غير المسبوق، يوم الأحد الماضي، بينه وبين حيدر العبادي.
في المقابل، إن صحّت الأحاديث عن مواجهة كهذه، فإنّ الوجه الآخر لها قد يكون عنوانه: عودة المالكي الفعلية إلى الحياة السياسية العراقية.
الأكيد أنّ عودة كهذه لن تكون تداعياتها سهلة، وما يجري اليوم جزء منها. مجلة "فورين بوليسي" الأميركية نشرت تقريراً أول من أمس، عنونته: لا أحد يضع نوري في الزاوية (Nobody Puts Nouri in the Corner). ينقل التقرير عن مستشار الأمن القومي العراقي السابق، موفق الربيعي، قوله في سياق حديث: لا تحسبوا المالكي خارج اللعبة. ربما هو تعليق كافٍ لإدراك مسار العلاقات الشائكة بين قادة عراقيين، لا شك أن صراعاتهم تؤثر سلباً على العراق وحروبه.
(الأخبار، رويترز)