الخرطوم | وُصفت زيارة الرئيس السوداني، عمر البشير، إلى الإمارات، يوم الأحد الماضي، بـ «التاريخية»، بسبب ما انطوت عليه من ملفات مهمة ومفصلية، قد تنقل السودان من مستوى إلى آخر، على صعيد وضعه الإقليمي والدولي.

الزيارة التي جاءت تلبيةً لدعوة ولي العهد الاماراتي، محمد بن زايد آل نهيان، تضمّنت أبعادا سياسية واقتصادية مهمة، أولها تظهير سياسة «فقه الواقع» التي اعتمدها السودان في الآونة الأخيرة ويبدو أنه يتابعها اليوم بهدف فك عزلته، وذلك لعوامل موضوعية، أهمها موقع السودان بالنسبة للدول العربية والافريقية وأهميته في التحالفات والتكتلات التي تجري على المستوى العربي والإقليمي والدولي، إضافةً إلى التهديدات في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها من الدول. ولعلّ اتجاه بعض الدول إلى بناء تحالفات وتبادل المعلومات والخبرات لمواجهة الأخطار المحدقة بالمنطقة، يعد أحد العوامل المساهمة في فك العزلة عن السودان.

كذلك، فإن اقتراح البشير أثناء زيارته الإمارات إنشاء قوة مشتركة مصرية سودانية ليبية ممولة إماراتياً لمحاربة تنظيم «داعش» في ليبيا، لم يكن بعيداً عن التحالفات التي تدور في المنطقة، إن لم يكن تحولاً كبيراً في خارطة التحالف الجارية، وفي سعي السودان ربما لوضع نفسه في مكانٍ جديد.
في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعه «النيلين»، حسن الساعوري، أن «الزيارة كانت لفك الجمود لا التوتر الذي سيطر على علاقة السودان بدول الخليج». وفي مسألة نجاح الحكومة السودانية بكسر العزلة وإمكانية قيام تحالفات جديدة بعد اقتراح البشير، قال الساعوري في حديث لـ «الأخبار» إنه لا يتوقع أن يضع السودان نفسه في تحالف جديد، مشيبراً إلى أن السودان يريد أن يفك العزلة أن يدخل في معسكرات أو تحالفات.
وأضاف «يريد السودان فقط أن يصرف العداء المتوقع من أي طرف كان، والاعلان عن هذه القوات المشتركة فيه إشارة فقط إلى أن السودان يمكن أن يكون في خط واحد مع دولة الإمارات ودول الخليج العربي في محاربة «داعش»».
من جهة أخرى، ترجمت زيارة البشير أبو ظبي رغبته في تفعيل الاستثمارات الاماراتية في السودان، بعد توفير الضمانات التي تساعد على استقطاب المستتثمرين الإماراتيين وتشجيعهم على المضي قدماً في هذا المجال الاقتصادي المهم، ولا سيما أن الوفد المرافق للبشير يضم ممثلين للقطاع الاقتصادي والاستثماري حملوا معهم تصورات محددة للاستثمار والتعاون الاقتصادي الثنائي.
يذكر أن التطوّر السلبي في العلاقات بين السودان ودول الخليج أدى سابقاً إلى إيقاف التعاملات المصرفية من جانب بعض دول الخليج، وهو أمر كان له مردود سلبي على الاقتصاد السوداني، وبرغم ذلك لم تعمد الخرطوم إلى انتقاد تلك الخطوة، بل حاولت التخفيف من آثارها السلبية حتى جاء قرار إغلاق الملحقيات الثقافية الإيرانية، وهي خطوة عملت على دعم علاقاتها مع الخليج، وخصوصاً السعودية بحكم تركيبتها المذهبية، فكانت المملكة الأكثر ارتياحاً لهذه الخطوة.
استجابة الحكومة الإماراتية جاءت سريعة بعد توجيهها للقطاع الخاص ممثلاً في غرفة أبو ظبي التجارية بالتوسع في مجالات الاستثمار في السودان. وقال رئيس الغرفة التجارية عقب لقائه البشير إنهم تلقوا توجيهات حكومية بالانفتاح على السودان، وطرحت غرفة أبو ظبي مشروع عقد ملتقى استثماري موسع بين رجال الأعمال من الدولتين يعقد في العاصمة الاماراتية، وتمويلا كاملا من الغرفة.
ويقول الخبير الاقتصادي، يوسف خميس، في هذا الشأن إن الزيارة تمثل حافزاً كبيراً لزيادة الاستثمارات الاماراتية، «وكما نعلم أن الإمارات من الدول البترولية التي تمتلك موارد ضخمة، وبالتالي السودان يحتاج إلى أن يتعاون مع الإمارات بأن يستقطب جزءا من هذه الاستثمارات إلى السودان».
وحول ما إذا كان الانفتاح الاقتصادي الإماراتي أو الخليجي مرهونا بمواقف السودان السياسية، يرى خميس في حديثه لـ «الأخبار» أنه لا يمكن فصل القضايا السياسية عن الاقتصادية، وهي مرتبطة بعضها ببعض، مضيفاً أن الدول التي تستثمر لها أجندتها الخاصة، «ولكنها تبقى أقل كلفة من الأجندة الغربية، فالسودان يفضل الاستثمارات العربية على غيرها، حتى لو كانت مشروطة باعتبارها في إطار البيت الواحد».
في المحصلة، تشير التطورات في علاقات السودان بدول الخليج، والتطورات المحدودة في علاقتها بالولايات المتحدة، إلى أن الخرطوم ستدخل ضمن منظومة جديدة في العلاقات الدولية، ربما يكون لها تأثير مباشر في عمليات السلام في دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق، إذا ما نجحت الخرطوم في إحداث انفراجة أخرى بالتزامن مع تلك الخطوات على صعيد الحريات وحقوق الإنسان والخروج من عباءة البراغماتية في تعاملها مع أزماتها الداخلية.