يظهر من تصريحات الخارجية المصرية المتوالية عن «أمن الخليج» أن الأمر يعدو كونه تودّداً إلى الدول الداعمة للمنظومة القائمة في القاهرة الآن (السعودية، والإمارات، والكويت)، بل ليس لدى الساسة المصريين شعور بأن ما عند طهران قد يفيدهم بشيء، لا في الأمس، ولا الآن ولا غداً. على هذا المنوال، لا تفوّت «الدبلوماسية» المصرية مناسبة إلا وتقطع حبل الودّ فيها مع إيران، حتى في سبيل «دغدغة» المنامة، الأقل قدرة على الدعم مقارنة بأي إمارة خليجية حولها.
قال الوزير سامح شكري ما قاله عبد الفتاح السيسي سابقاً، لكنه أعاد التذكير في المؤتمر الصحافي مع نظيره البحريني، خالد آل خليفة، أمس، بأن مصر تدعم البحرين في مواجهة «التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للمملكة». وشدد شكري على أن العلاقات مع إيران «منقطعة» في ظل استمرار الدعوة المصرية إلى طهران لاتخاذ سياسات تجاه مصر ودول الخليج «تتسم بالاحترام المتبادل والاعتراف بسيادة الدول واستقرارها والامتناع عن أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية وعدم التأثير في الأمن العربي».
وتكررت تصريحات شكري للمرة الثانية في أقل من شهر بعدما ردّد المضمون نفسه في بداية الشهر الجاري، خلال زيارة الملك السعودي سلمان، الأخيرة، علماً بأن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وصلت إلى مستوى تمثيل منخفض، برغم التحسن الطفيف خلال حكم محمد مرسي.
في غضون ذلك، استقبل الرئيس المصري، أمس، ملك البحرين حمد بن عيسى، الذي يزور القاهرة من أجل «زيادة التعاون المشترك بين البلدين»، برفقة وفد من رجال الأعمال البحرينيين، الذين أعلنت الحكومة المصرية نيتهم الاستثمار في المشروعات القومية، خاصة الزراعية، من دون التعمق في التفاصيل. كذلك أهدى السيسي «قلادة النيل» إلى حمد، «تقديراً منه لمجهوداته في إعادة استقرار إلى المنطقة».
في الداخل المصري، وللمرة الأولى منذ وصول السيسي إلى السلطة، تخرج تظاهرات معارضة له على مدى يومين متتاليين، برغم حملة الاعتقالات العشوائية التي شنتها وزارة الداخلية واحتجازها المتوجهين إلى التظاهر اعتراضاً على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وسط تزايد هتافات تطالب بإسقاط النظام.

«تظاهرات تيران وصنافير» مستمرة... واحتفاء رسمي بملك البحرين

وأمام «نقابة الصحافيين» مساء أمس، تجمع المئات من الشباب غالبيتهم صحافيون احتشدوا بعد تعذر وصول الراغبين في التظاهر نتيجة للحصار الأمني واعتقال المعارضين وترحيلهم إلى معسكر قوات الأمن المركزي أو إلقائهم على الطرق السريعة بعد الحصول على بياناتهم وتفتيش هواتفهم. ويدرك النظام أهمية «نقابة الصحافيين»، إلى حدّ أن نظام حسني مبارك بقوته لم يجرؤ على حصار النقابة ومنع أعضائها من الوصول إليها، لكن «الداخلية» لوّحت أمس باقتحام النقابة، التي قرر مجلسها تنظيم مسيرة غداً الخميس لتقديم بلاغ ضد وزير الداخلية ومدير أمن القاهرة بوقائع الاعتداءات على أعضائها.
حالياً، تلعب المساندة الإعلامية للسيسي دوراً كبيراً في التعتيم على حقيقة ما يحدث في القاهرة، وأيضاً على حصر الأحداث الرئيسية في العاصمة فقط، علماً بأن تقريراً حقوقياً، أصدره «مؤشر الديموقراطية» أمس، رصد تطور الحراك المندد بالاتفاقية مع تنظيم 23 احتجاجاً في 10 محافظات أخرى، بجانب إلقاء القبض على نحو 400 شخص.
في المقابل، يبدو أن «الجنرال» يريد احتواء الأزمة التي جعلته يتوقف عن التلويح بمغادرة السلطة في حال شعوره بضيق الشعب، خاصة مع الغضب من دعم الدولة التظاهرات المؤيدة والكيل بمكيالين. وظهرت مقاطع فيديو تبين اعتداء داعمي النظام على المعارضين، مع مطالبة بالتحقيق في ذلك، حتى لا يصير تحريضاً رسمياً على «صراع أهلي»، مع أن هذا لا يختلف كثيراً عن الأسلوب الذي اتبعته «جماعة الإخوان المسلمون» خلال الأسابيع الأخيرة لوجودها في السلطة.
وكشفت مصادر مقربة من الرئاسة، في حديث إلى «الأخبار»، عن وجود أصوات تطالب بتغليظ عقوبات التظاهر دون ترخيص قدمه «حقوقي» من المؤيدين لقانون التظاهر، على أن يطرح الأمر على مجلس النواب، وتحديداً من «ائتلاف دعم مصر» الذي يسيطر على الأغلبية البرلمانية. لكن هذه الصيغة لم يُتَّفَق عليها نهائياً، وهي أحد الخيارات التي اقترحتها جهة سيادية.
يقول الرئيس السابق لـ«الحزب المصري الديموقراطي»، محمد أبو الغار، إن قوات الأمن صارت «أكثر ذكاءً من ذي قبل، بعدما بدلت مجهود الشباب من الهتاف ومواجهة الداخلية إلى بحثهم عن زملائهم المحتجزين دون تحرير محاضر ضدهم أو إحالتهم إلى جهة معلومة يمكنهم التجمع أمامها». وأضاف في حديث إلى «الأخبار»، أن إطلاق «وصف الاحتفال على ما حدث من المؤيدين أمر غير منطقي، لأن مصر لم تعرف احتفالات شعبية بأعياد تحرير سيناء... الهدف واضح، وهو التشويش على التظاهرات المعارضة».
في المقابل، وصف الخبير الأمني طارق عبد العال موقف «الداخلية» بأنه «اتسم بالحكمة»، مشيراً إلى أن الأزمة التي تواجه الوزارة هو التزام أقصى درجات ضبط النفس في ظل تكرار التظاهرات وإنهاك القوات، لمنع أي «تجاوزات فردية». لكن عبد العال رأى أن ارتداء بعض أفراد الأمن ملابس مدنية «أمر طبيعي ولا يخالف القانون»، مضيفاً: «إطلاق سراح المحتجزين الشباب حفاظاً على مستقبلهم يعبر عن روح القانون... حتى لا تخالف الداخلية القوانين أو تثير غضب الشباب وتخلق عداءً معهم».