strong>عمت الحيرة أوساط المحللين الإسرائيليين الذين لم يجدوا تفسيراً مقنعاً للعرقلة المصطنعة التي أصابت صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله في الجزء الأخير من مسيرتها، وللجوء إلى الحاخامية العسكرية لإيجاد مخرج للتراجع عنها أو مبرر للاستمرار بها، الأمر الذي عُدّ تهرباً من المسؤولية وإلقاءً للكرة في غير ملعبها


مهدي السيد
شن المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، هجوماً لاذعاً على المسؤولين الإسرائيليين الذين «لا يخجلون من جعل عائلات الأسرى يترددون كالفقراء على الأبواب في أروقة الحكم، مستجدين سادة البلاد، مقرري المصائر: رجاءً افعلوا شيئاً كي تضعوا حداً لمعاناتنا».
وسأل فيشمان «كيف لا يخجلون، حتى في هذه اللحظات تماماً، من إطلاق الأحبولة الإعلامية تلو الأخرى، مغلفة بأغلفة المزايدة الوطنية الزائفة»، موضحاً أنهم «أطلقوا قبل يومين قصة مئات السجناء الفلسطينيين الذين طولبت إسرائيل بتحريرهم في صفقة (إيهود) غولدفاسر و(ألداد) ريغيف. حاولوا خلق الانطباع بأن (الأمين العام لحزب الله حسن) نصر الله تراجع عن الاتفاقات، وهذا ما لم يحصل أبداً».
وإذ رأى فيشمان أن كل ما يحصل عبارة عن مناورات لإفشال الصفقة، لفت إلى أنهم «لم ينجحوا، وبالتالي انتقلوا أمس إلى الخطة 2 وشرعوا بحملة الحاخامات. فها هم يستخدمون الحاخام العسكري كي يدفن القصة، فكيف يسمح بتحويل الحاخام العسكري الرئيس إلى أداة تخدم مناورة سياسية هدفها إفشال الصفقة؟». وربط فيشمان بين الموقف من الصفقة والمصالح الشخصية والانتخابية، فقال إن «الانتخابات تفقد هؤلاء الأشخاص صوابهم. لا شيء في هذه القصة بات حقيقياً. فكل شيء خاضع لاعتبارات انتخابية، مناورات سياسية، كل شيء مصالح». وأضاف «ليس هنا جدال جماهيري شرعي على القيم، على الأثمان التي يمكن للمجتمع أن يدفعها. هذا جدال مريض بين سياسيين ليس فيهم رحمة، يتذبذبون كل يوم بحسب حالة الطقس، بحسب الاستطلاعات، بحسب فرصهم في البقاء مع الصفقة أو من دونها».
وبحسب فيشمان، فإنه «بعد سنتين فهم أيضاً أهالي الجنود الأسرى أن المشكلة ليست فقط في ساحة نصر الله ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس» (خالد) مشعل، بل هي موجودة قبل كل شيء في ساحتنا. فهموا أن اعتمادهم على وعود رجال المؤسسة كان ساذجاً».
بدوره، انتقد عوفر شيلح في «معاريف» رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك «اللذين يتركاننا نستخلص بأنفسنا استنتاجات من التسريبات والمنشورات الرسمية. وهما لا يفكران بأننا نستحق شرحاً أفضل لما حصل». وأضاف «إذاًَ هذا ما يمكن أن نفهمه: إسرائيل وافقت على الصفقة، التي ستغلق عملياً الملف مع حزب الله، في مقابل إعادة سمير القنطار، أسرى حزب الله وجثث. من المهم أن نتذكر أن أسرة الاستخبارات الإسرائيلية مقتنعة بأن حسن نصر الله بذل أفضل ما يمكنه كي يجلب معلومات عن رون أراد مثلما ورد في تفاصيل المرحلة الثانية من صفقة (ألحنان) تننباوم، ولم يفلح. يمكن الاعتقاد بأنه على هذه الخلفية يدور الحديث هذه المرة عن صفقة معقولة، ويمكن الاعتقاد خلاف ذلك».
وإذ لفت شيلح إلى أن الثمن قد تقرر، انتقد اللجوء إلى «استخدام إجراء التأكد مما إذا كان غولدفاسر وريغيف ميتين كوسيلة لخفض الثمن وتفجير الصفقة عملياً»، فمثل هذا الإعلان «محظور أن يكون جزءاً من عملية المساومة، لأنه يتضمن معانيَ أكثر مما ينبغي، ولا سيما للعائلات».
وقال شيلح إنه «من المهم أن نفهم أنه، خلافاً للإعلان عن أسرى تشرين الأول 2000 حتى قبل إعادتهم، لا يدور الحديث هذه المرة عن معلومات جديدة. ما لدى الجهاز هي التقارير من تموز 2006 لا أي شيء آخر. وإذا لم يكن قد أعلن عن الجنديين في حينه ميتين، فثمة مشكلة أخلاقية كبيرة (ويخيل لي أنها مشكلة فقهية، ولكن هذا نبقيه للحاخام العسكري الرئيس) لتغيير مكانتهما، هكذا ببساطة، ولا سيما في ظل غياب تفسير آخر، مسموح أيضاً الافتراض أن ما يقف خلف هذه الخطوة هو مشكلة القادة مع معارضة رئيس الشاباك ورئيس الموساد الصفقة». وختم شيلح بالقول إن خطوة اللجوء إلى الحاخامية العسكرية لإجراء بحث فقهي لموت الجنديين «هي أسفل الدرك».
في السياق، قال المحلل السياسي في «معاريف» بن كسبيت إنه «إذا كان يمكن إنهاء الأمر مع نصر الله، كما يقولون في محيط عوفر ديكل، فلماذا التورط؟ فمن يعرف نصر الله، مثل عوفر ديكل، مثل مئير دغان، مثل كثيرين آخرين، يعرف أنه قادر على عمل أي شيء. لنفترض أنه سينتظر بضعة أشهر بصمت، وبعدها يمتشق بحيلة مميزة، صوراً مشوّهة، غير قابلة للفهم، لريغيف أو غولدفاسر أو كليهما معاً على قيد الحياة، في أسر حزب الله. اذهب لتثبت أن هذه الصور ليست لهما. تصوروا ماذا سيحصل هنا إذا ما فعل ذلك».
وانتقد كسبيت أولمرت فوصفه بأنه «يلعب القمار مع نصر الله بيد، ومع إيهود باراك بيد أخرى».
وتطرق كسبيت إلى خوف العائلات الأكبر المتمثل في أن يؤدي الإعلان عن الأسيرين قتيلين إلى إلغاء الصفقة قبل دقيقة من تنفيذها. وأضاف أنه في هذه الحال «سيتشدد نصر الله، ويجمّد الوضع وتبقى العائلات مع تصريح مشكل، معرضة للتسلط والتهم».
وتوقف كسبيت عند النقاش الدائر حول مسألة القيم المتعلقة بتحرير الأسرى، فسأل عما إذا كانت «القيم الإسرائيلية المتمثلة بفعل كل شيء لإعادة الأبناء إلى البيت أخذت تضعف؟».