بصرف النظر عن الطريقة التي هرب عبرها الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي من صنعاء، قبل نحو عشرة أيام، فهي تدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن خطةً محكمة وضعت مسبقاً بالنسبة إلى الخطوات التي ستلي عملية إخراجه من العاصمة. وصل الرجل الى عدن، تحديداً إلى القصر الرئاسي وليس إلى منزله، في إشارةً واضحة إلى نيّاته. استقبل بعض السياسيين من أنصاره، ثم دعا «اللجان الشعبية» المؤيدة له ـ وعددها لا يستهان به (تصل إلى 5 آلاف مقاتل) ـ إلى عدن، مؤمّناً بذلك حمايته الشخصية.


أعلن استعداده للحوار على أساس «المبادرة الخليجية»، قبل أن يحظى مباشرةً بمباركة خليجية وغربية، وبدعمٍ إقليمي ودولي لـ«شرعيته». يتراجع عن استقالته في رسالةٍ إلى البرلمان، ثم يعلن رسمياً أنه الرئيس الشرعي الوحيد لليمن. يستقبل أمين عام مجلس التعاون الخليجي، عبد اللطيف الزياني، قبل أن تنتقل السفارات الخليجية إلى عدن، وفي مقدمتها السفارة السعودية.

تدعم تركيا وقطر
«الإصلاح» بالمال بعد هزائمه
أمام «أنصار الله»

خطوات هادي جاءت في منتهى السرعة، حتى بدا كل شيء مبرمجاً. لم يسترح الرجل من عناء السفر من صنعاء إلى عدن، علماً بأن بعض وسائل الإعلام قد روّجت لتدهور حالته الصحية قبل أيام فقط من خروجه من صنعاء.
هذا التحرّك السريع يعبّر عن أن السعودية لم تكن لتقبل بخروج اللعبة السياسية في اليمن من يدها. ربما هي مالت مع عاصفة الصعود القوي لجماعة «أنصار الله»، لكنها انتظرت «الثغرة» التي تعيد من خلالها قلب الموازين لمصلحتها.
تؤكد مصادر قيادية في «أنصار الله» لـ«الأخبار» أن الحركة كانت على تواصل «سريّ جداً» مع السعودية من أجل تسهيل تأليف المجلس الوطني والرئاسي. وفعلاً قدّمت المملكة بوادر إيجابية في بداية الأمر. ولكن إلى جانب هذا الحوار، كانت الأسرة الحاكمة في السعودية في خضم نقاش عميق حول الوضع في البلد الجار. بعض الأمراء السعوديين كان يدفع باتجاه الاعتراف بالواقع الجديد في اليمن، أي بأن «أنصار الله» أصبحوا قوة كبيرة لا يمكن تجاهلها، وبالتالي لا بدّ من فتح خطوط معهم، فيما يرفض طرف آخر ـ في أسرة آل سعود ـ فتح حوار مع «أنصار الله» بصورةٍ قاطعة.
في هذا السياق، صبّ هروب هادي من صنعاء في كفة الأصوات السعودية المعارضة لأي اتصالٍ مع الحوثيين. وتأتي متغيّرات داخلية لتعزّز وضعية الرياض إزاء اليمن، إذ يختلف عهد الملك سلمان عن سلفه عبدالله، بحيث يسير الملك الجديد في خطّة فض الاشتباك مع «الإخوان المسلمين»، في وقتٍ عادت فيه قطر إلى الحضن الخليجي، وتتجه تركيا ـ مركز القيادة الإخوانية ـ إلى المصالحة مع السعودية. ينعكس كل ذلك على اليمن. فهادي الذي كان حتى الأمس القريب خارج حسابات الرياض بعد تقاربه مع قطر، يستقطب الدعم السعودي مجدداً، وتشي المصادر في هذا السياق بأن الوفد الخليجي الذي زار الرئيس العائد عن استقالته في عدن كان محمّلاً بحقائب بملايين الدولارات.
زعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، شنّ هجوماً قوياً على المملكة وعلى قطر، متهماً إياهما بالسعي إلى نشر الفوضى في اليمن وبدعم تنظيم «القاعدة» ومتفرّعاته، بغية فرض النموذج الليبي الحالي عليه. «أنصار الله» خرجت سريعاً من حالة الإرباك التي حاول هادي وضعها فيها. هي الآن تعيد ترتيب أولوياتها. توجّه رسائل إقليمية ودولية، إن كان عبر فتح خطوط التواصل مع روسيا وإرسال وفد رفيع إلى موسكو، أو عبر رفع مستوى التواصل مع طهران التي استقبلت وفدين من الجماعة (سياسي واقتصادي)، غداة فتح الخطوط الجوية بين البلدين.
داخلياً، تؤكد الجماعة استعدادها للحوار الذي يرعاه المبعوث الدولي، جمال بن عمر، مع القوى السياسية اليمنية كافة، ليس على أساس المبادرة الخليجية التي انتهى مفعولها وبات الارتكاز عليها عودة إلى ماضِ طوت الجماعة صفحته. لكن التحدي الأساسي بالنسبة إلى «أنصار الله» يكمن في الميدان. هي مقتنعة بأن قطر وتركيا والسعودية متفقون على أن يزجّوا باليمن داخل مستنقع الصراعات، لتغدو حاله شبيهة بما يجري في سوريا والعراق وخصوصاً ليبيا. ولم يعد سرّياً ما تؤكده مصادر في الجماعة، بشأن وصول مقاتلين سعوديين ومن جنسيات متعددة إلى مأرب عبر مطار عدن. كذلك تشير معلوماتهم أيضاً إلى أن معبر الوديعة في حضرموت، الواقع ما بين اليمن والسعودية، صار ممراً للمقاتلين والسلاح والغذاء في محافظتي مأرب (شمال شرق) وشبوة (جنوب).
قطر وتركيا من جهتهما تعملان على ترتيب صفوف حزب التجمع اليمني للإصلاح «الإخوان المسلمين»، ودعمه بالمال من أجل النهوض به من جديد بعد هزائمه المتلاحقة على يد «أنصار الله»، ما يشي بنوعٍ من تبادل أدوار بين قطر وتركيا والسعودية في اليمن.
«أنصار الله» تعي صعوبة ما ينتظرها، وهي على ما يبدو استعدّت للمعركة المقبلة. مصادر في «أنصار الله» تقول لـ«الأخبار» إن المواجهة المقبلة قد لا تكون مأرب كما هو متوقع منذ مدة، بل شبوة التي باتت أشبه بإمارة للتطرّف. ولكن لماذا هذه المحافظة الجنوبية برغم علم «أنصار الله» بحساسية وخطورة دخولها إلى أي منطقة في الجنوب؟ تردّ المصادر بأنهم نسقوا مع بعض قادة «الحراك الجنوبي» في حال أقدموا على هذه الخطوة. هم يرون أيضاً أنه لا بدّ من فصل مأرب عن شبوة الملاصقة لها والمفتوحة على البحر، بغية منع الإمداد بين المحافظتين.
تتّكل «أنصار الله» على معرفتها بغياب الحاضنة الشعبية لهادي جنوباً. فالرئيس المستقيل قاد يوم كان وزيراً للدفاع عام 1994، الهجوم على الجنوب، منهياً «حلم» الانفصال عن الشمال. من جهةٍ أخرى، تعوّل «أنصار الله» على حزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي يقوده الرئيس السابق علي عبدالله صالح، لكونها ترى أن التنسيق معه حالياً سيكون في مصلحة الجانبين. فحزب الأخير يملك أكبر كتلة نيابية، وتمّ استبعاده خليجياً من اللعبة اليمنية. وصالح هو أكثر من يجيد فن المراوغة السياسية في اليمن، فضلاً عن ارتباط العديد من ألوية الجيش به، فيما تدين قبائل في محافظات عدة بالولاء له أيضاً.