كرّس وزير الخارجية الأميركي جون كيري يوم أمس للتهدئة من روع حلفائه الخليجيين من الاتفاق الإيراني ــ الأميركي المرتقب. فبعدما أصبحت الأجواء الداخلية الأميركية مهيّأة لذلك، بمعارضة الديموقراطيين لأي تعجيل بالتصويت على مشروع قانون يلزم أوباما بتقديم أي اتفاق نووي مع إيران إلى الكونغرس لإقراره، بات على عاتق كيري طمأنة الخارج، وخصوصاً السعودية، قبل التوجّه إلى باريس السبت للقاء نظيره الفرنسي لوران فابيوس، بهدف مناقشة الملف النووي على رأس غيره من الملفات الدولية.


فـ«الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة تخشى أيضاً من الاتفاق النووي الذي سيبرمه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع إيران، وليس فقط إسرائيل»، والكلام هنا ليس سوى لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، التي ذكرت أن الحلفاء الرئيسيين الآخرين لأميركا في الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب، رغم أنهم لم يحصلوا على فرصة للصعود إلى منصة بهدف الضغط، كما حدث مع بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير أمام الكونغرس.

كيري: واشنطن ستتخذ
إجراءات لضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً

ومثل إسرائيل ودول غربية كثيرة، تعرب الدول الخليجية، وخصوصاً السعودية، عن حجتها لجهة أن تستغل إيران برنامجها النووي لتطوير قدرات لإنتاج أسلحة نووية ــ الأمر الذي تنفيه طهران ــ في الوقت الذي تُعتبر فيه إيران الغريمة الأساسية في المنطقة، حيث يساور حلفاء واشنطن القلق من أن يخفّف الاتفاق الضغط الدولي على طهران، ويتيح لها مجالاً أكبر لـ«التدخل في القضايا الإقليمية». ولكن كما قال المحلل البارز في معهد «الشرق الأوسط»، ستيفن سايمون، بالتزامن مع وصول كيري إلى الرياض في وقت متأخر من مساء الأربعاء، إنّ «البديل عمّا تقوم به الإدارة الأميركية مع إيران هو الحرب، ولا أعتقد أن دول الخليج مستعدة فعلاً للحرب».
بناءً على ما تقدّم، بدا أمس حديث وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، متقاطعاً مع خطاب نتنياهو الذي كان قد قال إن إيران «تسيطر على بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق»، فدعا الفيصل طهران إلى «وقف تدخلاتها في الشؤون العربية»، معرباً عن قلق بلاده من تدخلها في اليمن والعراق وسوريا.
وفي مؤتمره الصحافي المشترك مع كيري في العاصمة السعودية الرياض، في أعقاب اجتماع وزاري خليجي أميركي (سبقه لقاء بين كيري ووزير الشؤون الخارجية العُماني يوسف بن علوي)، ومباحثات بين كيري والملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، أكد الفيصل تأييد بلاده موقف جهود دول مجموعة «5 + 1»، لوضع نظام تفتيش صارم بما يضمن عدم صنع أو امتلاك إيران أسلحة نووية. ولكنه قال: «نتمنى على إيران قبل أن يستفحل العداء بينها وبين جيرانها أن تستمع إلى العقلاء من أهلها وأن تترك التدخلات في الشؤون العربية».
وفي إشارة إلى قلق المملكة من مشاركة إيران، المزعومة، في الهجوم الذي تنفذه القوات العراقية، لاستعادة مدينة تكريت من تنظيم «داعش»، فقد قال الفيصل إن «الوضع في تكريت يعدّ مثالاً جيداً على ما يقلق المملكة، حيث تسيطر إيران على جميع البلاد، وعملية السلم والحرب أصبحت الآن في يد إيران، وهو ما يخلق حالة من عدم الاستقرار ويعزز الطائفية والفرقة في العراق التي لم تكن قائمة من قبل». وطمأن الفيصل نفسه بالقول إن «كيري قدم له ضمانات على أن واشنطن لن تنسى التصرفات الايرانية الأخرى في المنطقة».
الوزير السعودي دعا «التحالف الدولي»، في سياق آخر، إلى مواجهة تنظيم «داعش» على الأرض. وشدّد على أن «المملكة تؤكد أهمية هذا التحالف لمحاربة داعش في العراق وسوريا وترى أهمية توافر السبل العسكرية اللازمة لمواجهة هذا التحدي على الأرض». مطالباً بـ«أن تكتسي هذه الحملة منظومة استراتيجية شاملة».
هواجس أخرى أعرب عنها الفيصل ارتبطت بالوضع في سوريا، حيث قال إن «استمرار الأزمة لم يفض فقط إلى تدمير سوريا وتشتيت شعبها، بل جعل سوريا ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية بمباركة من (الرئيس السوري بشار) الأسد الفاقد للشرعية». وبرأي الفيصل، فإن بلوغ الحلّ السلمي للأزمة في سوريا القائم على مبادئ «جنيف1»، يتطلب تحقيق الاتزان العسكري على الأرض.
وعن اليمن، قال إن «دول الخليج تؤكد على الشرعية في اليمن، وأنها الطريق الوحيد لسلامته، وأن دول الخليج سعيدة بمجيء الرئيس اليمني إلى اليمن الجنوبي والتصريحات التي أعلنها من هناك، ما يؤكد على الشرعية وعدم قبول أي من الإجراءات التي اتخذها الانقلابيون الحوثييون. فالمملكة ودول مجلس التعاون الخليجي... مؤيدون لموقف الرئيس اليمني، وإعلانه لعقد اجتماع الأطراف اليمنية خارج اليمن، وهو غالباً في المملكة، ونوافق ذلك، وسنستعين بما ورد في مبادرة الخليج ومساعدته في إعادة ترتيب أوضاع اليمن».
ورداً على الهواجس السعودية والخليجية، عمل وزير الخارجية الأميركي على طمأنة حلفائه بالقول إن بلاده «ستتخذ إجراءات لضمان عدم امتلاك إيران سلاح نووي»، مؤكداً أن واشنطن لا تسعى «لمقايضة كبيرة» مع طهران.
وذهب كيري إلى أبعد من ذلك، بالتأكيد أنه «حتى ونحن نخوض هذه المناقشات مع إيران بشأن برنامجها النووي فلن نغفل عن تحركات أخرى لإيران تزعزع الاستقرار في مناطق مثل سوريا ولبنان والعراق وشبه الجزيرة العربية وخاصة اليمن». أما عن الوضع في سوريا، فقد أكد كيري أن الرئيس السوري «فقد كل شرعيته»، ليعقّب أنه «في نهاية المطاف سنحتاج إلى مزيج من الدبلوماسية والضغط لتحقيق انتقال سياسي»، قبل أن يستدرك بالقول إن «الأمر قد يحتاج إلى ضغط عسكري». مع ذلك، أضاف كيري أن «لا أولوية لدينا أهم من ضرب داعش ودحرها».
وتعرّض الوزير الأميركي للمفاوضات النووية التي جرت مع إيران في سويسرا واستمرت 3 أيام، مشيراً إلى أنه تم خلالها «تحقيق بعض التقدم، ولكن ما زالت هناك بعض الفجوات».
وشدد الوزير الأميركي على أهمية العلاقات الخليجية الأميركية بالقول إن «شراكتنا مع دول الخليج لمجابهة عدد من التحديات العاجلة، ولا بد أن نبقى على اتصال وثيق». ودعا وزراء خارجية الخليج للحضور إلى واشنطن، خلال الشهرين المقبلين، لمراجعة الإجراءات التي يمكن اتخاذها في مجال الأمن والتعاون.
في هذه الأثناء، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن أشخاص مطّلعين على المفاوضات، بأن إيران والقوى الست «تقترب من التفاهم على أن الاتفاق النهائي يجب أن يتم بناءً على طلب الولايات المتحدة بأن تبقى طهران، على الأقل سنة واحدة، بعيدة عن تخزين الوقود الذي يساعدها في تصنيع السلاح النووي».
إلى ذلك، قوبلت الجهود التي يقوم بها القادة الجمهوريون في الكونغرس، بهدف زيادة الضغوط على إدارة أوباما في إطار المفاوضات، بمؤشرات على «خسارة الزخم». فقد أعلن حوالى 12 سيناتوراً ديموقراطياً أنهم سيمتنعون عن دعم تمرير تشريع يمكن أن يسمح للمشرعين بالتصويت على اتفاق نهائي. ومن بين هؤلاء السناتور بوب ميننديز، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الذي شارك في كتابة هذا التشريع وطالما كان من المنتقدين الحادّين للمفاوضات التي تتّبعها الإدارة مع إيران. وفي رسالة مع تسعة ديموقراطيين آخرين إلى زعيم الغالبية الجمهورية، ميتش ماكونل، اعترض على خطة هذا الأخير لطرح مشروع قانون يلزم أوباما بتقديم أي اتفاق نووي مع إيران لإقراره، خلال الأسبوع المقبل. وقال المعترضون إنهم لن يؤيدوه، إلا بعد 24 آذار على الأقل.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)




«تعليق العشر سنوات» ممكن

لمّح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أمس، إلى أن طهران قد تقبل تعليقاً لبعض جوانب برنامجها النووي، لمدة عشر سنوات، رغم أنه رفض مناقشة القضية بالتفصيل.
ورداً على سؤال كريستيان أمانبور من شبكة «سي.أن.أن.»، خلال مقابلة مع ظريف، إن كانت طهران مستعدة لقبول التعليق لمدة عقد في برنامجها النووي الذي تصرّ على أنه سلمي تماماً، قال: «يعتمد الأمر على كيفية تعريفك له. إذا كان لدينا اتفاق فنحن مستعدون لقبول قيود معينة لفترة معينة من الوقت، لكنني لست مستعداً للتفاوض على الهواء».
وأضاف ظريف أن «هناك الكثير من التفاصيل التي يتعيّن مناقشتها. حققنا بعض التقدم... سيتعين علينا العمل بدأب خلال الأسابيع القليلة المقبلة».
(رويترز)