يديعوت أحرونوت ـ رون بن يشاي

الهدوء السائد في الجبهة الجنوبية ليس صدفة، بل هو نتيجة تلاق نادر للمصالح، بين إسرائيل و«حماس» ومصر، بعد عملية الشتاء الحار. وهذه الجهات الثلاث لها مصلحة واضحة في الوصول إلى نوع من التسوية والبحث عما يمنع استمرار القتال.
التهدئة ـ التي لم يعلن عنها رسمياً، لكن الجيش الإسرائيلي و«حماس» يلتزمانها بوعي وعن قصد ـ تهدف إلى تعزيز المفاوضات الجارية في شأن هذه التسوية عبر وساطة مصرية وبدعم كامل من الإدارة الأميركية.
من المهم أن نعرف ما الذي دفع «حماس» فجأة إلى الصراخ أولاً وحكومة إسرائيل، التي هددت بضغط عسكري متواصل، إلى الانكفاء. ما الذي دفع مصر إلى أن تتجنّد والولايات المتحدة إلى أن تؤيّد؟ وكم من الوقت ستصمد هذه التهدئة. والمهم ما هي الصفقة التي تحاول هذه الجهات إبرامها؟
بخصوص «حماس»، الدافع الأساسي هو خوف قادتها من عملية عسكرية واسعة في القطاع... تخسر بموجبها السلطة فيه... لذا، فإن المنظمة مهتمة بـ«الهدنة» بشكل يائس، وتريد أن يضغط المصريون ويقوموا بإنقاذها من هذا التهديد. لأجل ذلك، خفّضت «حماس» من وتيرة اللهب مباشرة... لكن ادّعاءها الانتصار ارتكز على وقائع ميدانية: استمرار إطلاق الصواريخ بعد خروج قوات غفعاتي في الأسبوع الماضي من القطاع، والعبوة القاتلة التي انفجرت على السياج، والمذبحة التي ارتكبت في مدرسة القدس. «حماس»، وهي مزوّدة بهذه الإنجازات، يعتقد قادتها بأنهم قادرون على أن يعرضوا أمام مصر مطالب من موقع القوة ومن دون أن يفقدوا هيبتهم أمام الشارع الفلسطيني.
بالنسبة إلى إسرائيل، ورغم أن أهداف عملية الشتاء الحار قد أُنجزت بالكامل، إلا أنها تريد أيضاً الامتناع عن التصعيد. فقد ثبت في العملية الأخيرة، وبوضوح، أنه من أجل إسكات صواريخ «القسام»، يجب المكوث في المناطق التي تطلق منها. وفي اللحظة التي يخرج منها الجيش الإسرائيلي، فإن إطلاق الصواريخ يتجدد. وقد عرفنا أيضاً أن المناطق التي لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي يتواصل منها الإطلاق. بمعنى آخر، لا توجد طريقة لوقف
إطلاق الصواريخ سوى السيطرة على قطاع غزة، سواء عبر اتفاق مباشر أو غير مباشر مع «حماس». عبرة أخرى استخلصها الجيش من العملية الأخيرة هي أن الدخول المكثف إلى قطاع غزة سيؤدي إلى اشتعال واسع في الضفة الغربية والعالم العربي... وربما أيضاً جرّ حزب الله للانضمام إلى القتال عبر إطلاق الصواريخ باتجاه الشمال.
هذه العبر التي استُخلصت في الأيام الأخيرة على مستوى القيادة الأمنية والسياسية، أولمرت ـ باراك ـ ليفني ـ أشكنازي، خففت أيضاً من شهوة داعمي سياسة الخروج إلى شن عملية واسعة النطاق في القطاع. هذه العملية التي لن يكون هناك مفر منها إذا استمر القتال.
عملية الشتاء الحار أظهرت للجيش الإسرائيلي أن الدخول لن يكون مرتبطاً بخسائر كبيرة كما كانوا يخشون. لكن التجربة تثبت أن احتلال المنطقة هو المقطع الأسهل نسبياً. أما البقاء فيها لمدة طويلة، فهو قصة مغايرة، وقد أثبت التجربة الأميركية المُرّة في العراق وأفغانستان ذلك... وفي القطاع، هناك حاجة إلى البقاء دائماً، ولأشهر طويلة، من أجل إيقاف الإرهاب من المناطق التي تنطلق منها الصواريخ، وعمليات تهريب السلاح. البقاء في المنطقة سيسمح للمنظمات التخريبية بتنظيم نفسها وتوجيه الضربات، وسيدفع إلى إرسال قوات كبيرة (بما فيها رجال الاحتياط)، وسيفرض على إسرائيل إنشاء حكم عسكري، وتحمّل المسؤولية عن رفاه السكان الفلسطينيين، وذلك من دون ضمان عدم تجدد إطلاق الصواريخ بعد خروج الجيش من القطاع.
حالياً، ليس هناك في الساحة الدولية حماس كبير لفكرة إرسال قوة متعددة الجنسيات إلى القطاع كي تحل محل الجيش وتحارب مطلقي الصواريخ إذا عادوا وكرروا عملية الإطلاق. ونتيجة لهذه الاعتبارات، خفضّت القدس أخيراً من مستوى مطالبها، وهي مستعدة الآن لأن تكتفي بهدنة تضمن الهدوء في مستوطنات «غلاف» غزة، شرط أن يستمر الحصار، وإن بشكل هزيل، كي لا تستغله «حماس» لتعزيز نفسها. والأمر الأساسي ألا تتمكن «حماس» من مراكمة قدراتها وبناء قوتها العسكرية.
وهنا دخلت مصر إلى الصورة... مصر مهتمة بالضبط بما إسرائيل مهتمة به ـ بإيقاف القتال ومنع تعاظم قوة «حماس». ففي الأسابيع الأخيرة، أثبتت مصر أنها قادرة على كبح العمليات التي تنطلق من صحراء سيناء باتجاه إسرائيل، بنجاعة. والآن تعهّد المصريون، لأسباب عديدة منها الضغط الأميركي المكثّف، بفعل كل ما هو مطلوب من أجل منع عمليات تهريب السلاح ومقاتلي «حماس» المدرّبين والمواد المتفجرة، إلى قطاع غزة. وإسرائيل مهتمة كي تعطي القاهرة فرصة لإثبات قدرتها في هذا المجال. ويقول مصدر سياسي أمني رفيع «هم قادرون على الالتزام بتعهدهم إذا أرادوا ذلك».
المشكلة هي أن لـ«حماس» أيضاً مطالب تضعها أمام المصريين كشرط لموافقتها على التهدئة، وهذه الشروط تتناقض مع ما تريده إسرائيل. «حماس» تريد السيطرة الفعلية على معبر رفح، ورفع الحصار الاقتصادي كلياً، والتزام كلّي بعدم القيام باغتيالات في القطاع، وإسرائيل لا يمكنها أن توافق على ذلك انطلاقاً من القناعة الواضحة بأنه لو التزمت هذه المطالب، فلن يستطيع المصريون منع تسلّح «حماس» وتعزيز سلطتها على القطاع. وحتى الساعة، لا توجد ليونة بين الأطراف في الوساطة المصرية، لكن الجميع يحرصون على ألا تنفجر هذه المفاوضات كي لا يتحملوا مسؤولية انفجارها. وإسرائيل تنطلق من أمل أن يلتزم المصريون تعهدهم بمحاربة التهريب حتى من دون هدنة.
ولأن «حماس» مرتبطة بالمصريين، وتخشى من احتلال القطاع من جانب إسرائيل، يقدّر المسؤولون الإسرائيليون أنه قد تكون هناك حاجة إلى جولة أو جولتين من التصعيد لدفع «حماس» إلى تليين مواقفها، وبالتأكيد فإن التهدئة قد تنكسر في أي لحظة نتيجة اغتيال أو عملية تقوم بها هذه الحركة.