صنعاء | بعد محاولة الفصل المناطقي التي يقوم بها الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي بعد إعلانه مدينة عدن الجنوبية «عاصمة مؤقتة»، باتت المناطق الجنوبية تمثل منطلقاً لتحدّي «الشمال» وما يمثله من نفوذٍ لقوى سياسية، في مقدمتها جماعة «أنصار الله» (الحوثيون). منذ بداية الأزمة في اليمن، كان موقف القوى الجنوبية ملتبساً، خصوصاً أن «الحراك الجنوبي» الذي من المفترض أن يعكس قضايا الجنوبيين ومطالبهم، مشتّت بين اتجاهات ومواقف مختلفة.


وفي ظلّ مشهدٍ يزداد تعقيداً، خرجت إلى العلن في الأيام الماضية تحركات لقيادات جنوبية من خارج اليمن، تبرز معطيات جديدة على مستوى واقع الجنوب. فقد أكد رئيس الوزراء الجنوبي السابق، أبو بكر العطاس، أن مؤتمراً لـ«الحراك الجنوبي» سينعقد قريباً في دولة الإمارات. ونقلت صحيفة «الأمناء» اليمنية، في عددها الصادر أول من أمس، عن العطاس قوله إنه التقى أخيراً عدداً من قيادات الحراك في منزله، بينهم السفير قاسم عسكر، وقال: «كان من المقرر عقد لقاء في الرياض، ولكن تم تأجيله لعدم تناسقه مع مواقفنا». محللون اعتبروا هذه الدعوة تأتي في إطار الاستعدادات لتشكيل قيادة جنوبية موحدة، إلا أن تلك الدعوة لم تلقَ ترحيباً ملموساً من قبل قيادات «الحراك» الموجودة على الأراضي اليمنية.

«أنصار الله»: استضافة الإمارات لهذا المؤتمر تمييع لقضية الجنوب
هذا الموقف تجلّى في اعتراض رئيس حزب «الرابطة»، عبد الرحمن الجفري، الذي أكد لوسائل إعلام أنه «ليس لنا علاقة بما يقال عن المؤتمر الجنوبي المزمع عقده في دولة الامارات»، مضيفاً: «وُضعت أسماؤنا من دون موافقتنا كما وضعت أسماء البعض من غيرنا من دون موافقتهم». من جهته، قال عضو «المجلس الأعلى للتصالح والتسامح» بين مكونات «الحراك الجنوبي»، حسين زيد بن يحيى، إن لقاء أبو ظبي المزمع عقده خلال الأيام المقبلة «مرفوض من قبل الجنوبيين وقوى الحراك الحقيقية الموجودة في ساحات النضال»، واصفاً في حديثه إلى «الأخبار» القوى التي تدعو إليه وتتسابق إليه بـ«الموميات التي لفظها الجنوب وشعب الجنوب في مراحله النضالية المختلفة»، معللاً ذلك بأن أي لقاء يعقد بعيداً عن ساحات الجنوب «ما هو إلا ترف اعتاد عليه نفر من المرتزقة المتاجرين بالمعاناة الجنوبية منذ حرب صيف 1994»، حسب وصفه.
وأشار بن يحيى إلى أن شعب الجنوب وحراكه الوطني «يناضلان من أجل دولة مدنية عادلة ومقتدرة». وفي إشارة الى دول الخليج، قال بن يحيى «الدول التي لا توجد فيها معالم وأسس الدولة المدنية والديموقراطية لا يمكن أن ترعى إلا مؤتمرات تجميع للمرتزقة والمنتفعين من القوى الرجعية التي اعتادت العيش على معاناة الناس»، مشيراً إلى أن «مناضلي الحراك الجنوبي الذين حضنتهم ساحات النضال والمعتقلات ومحاكم أمراء حرب 94 غير معنيين بمؤتمر أبو ظبي المشبوه»، بحسب قوله.
وفي هذا المجال، اعتبرت جماعة «أنصار الله» الدعوة إلى مؤتمر أبوظبي واستضافته من قبل الإمارات، «تأتي في إطار تمييع القضية الجنوبية». وفي حديث إلى «الأخبار»، قال عضو المجلس السياسي في الجماعة، علي القحوم، إنه «لو كان الخارج صادقاً في حلّ القضية الجنوبية فقد كان هناك متسع لحلّها» قبل الأزمة الراهنة، معتبراً هذه الدعوات تزيد من معاناة أبناء الجنوب.
وأشار القحوم إلى أن الخارج، وتحديداً الخليج، يتحرّك لاستهداف الشعب اليمني عبر بعض المشاريع الرامية إلى ضرب استقرار اليمن كدعم «القاعدة» و«داعش» وتمكينهما في الجنوب. وأضاف القحوم: «هذا هو ملموس في لحج والمحفد في أبين وشبوة وحضرموت ومأرب»، معتبراً أن تلك الدول لا تتحرك لأجل مصلحة الشعب اليمني لا في الشمال ولا في الجنوب، «بل لأجل استعادة الوصاية التي أسقطتها ثورة 21 أيلول». وأضاف: «هناك توجه خليجي واضح لإعادة مثل هذه الشخصيات إلى الواجهة ليسيطروا مجدداً على القرار اليمني عبرها».
من جهةٍ أخرى، وجنوباً أيضاً، قطع رفض وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة، اللواء محمد الصبيحي*، لقاء هادي، الجدل الذي أثاره انتقاله من صنعاء إلى لحج مسقط رأسه. وامتنع الصبيحي عن مقابلة الرئيس المستقيل في عدن، «لأنه لا ينوي الخوض في الصراع»، بحسب قوله، وهو ما فسّره محللون بأنه إشارة إلى نيته الذهاب بالمؤسسة العسكرية إلى الحياد، لا سيما في ظل التهديدات التي يمثلها «القاعدة» على الجيش أولاً وعلى الجنوب ثانياً. وتُعزز هذا التفسير سيطرة «القاعدة» على المحفد في أبين وتحركات التنظيم في أنحاء واسعة في الجنوب، حيث أكدت مصادر وصول جلال بلعيدي، مرتكب «مذبحة الجنود» في حضرموت (في آب الماضي) إلى أبين «لقيادة مجموعات من الإرهابيين»، في وقتٍ يكثر فيه الحديث عن استخدام هادي وفريقه عناصر من تنظيمات متطرّفة في الجنوب «استعداداً لمواجهة الحوثيين»، لا سيما بعد ظهور «داعش» بصورةٍ رسمية في مناطق جنوبية.