تواجه العملية المشتركة التي تقودها الحكومة العراقية في مدينة تكريت عدداً من الصعوبات الميدانية التي تعيق مهمة استكمال السيطرة على «عاصمة» محافظة صلاح الدين. وذكرت مصادر في القيادة العسكرية المحلية، أمس، أنّ الجيش ووحدات «الحشد الشعبي» تقاتل للتقدم من الجهات الجنوبية والشمالية والشمالية الغربية في المناطق التي استولت عليها من المدينة خلال الساعات الأخيرة. وقال مصدر عسكري إن تنظيم «داعش» ما زال يسيطر على المجمع الرئاسي في المدينة وثلاثة أحياء أخرى على الأقل في وسط تكريت ويعطل تقدم الجيش من خلال القناصة وتفجيرات القنابل، بينما قال اللواء الركن في الشرطة، بهاء العزاوي، «لا نريد أن نتسرع لأننا نريد تفادي وقوع خسائر»، وذلك خلال جولة في قرية البو عجيل التي يمكن منها رؤية تكريت في الجانب الآخر من النهر.


في موازاة ذلك، أعلن وزير الدفاع العراقي، خالد العبيدي، في زيارة ميدانية له لمحافظة صلاح الدين أمس، أن القوات «شرعت في الصفحة الثانية» من الخطة. وأضاف أنّ «الوقت حقيقة ليس مهماً أمام الخسائر التي قد تتكبدها القوات. نحن حريصون جداً على أن تكون خسائرنا أقل ما يمكن، والوقت بيدنا. نحن أصحاب المبادرة». لكنه أضاف أنّ «القوات الأمنية والحشد الشعبي وأبناء العشائر سيقتحمون مركز مدينة تكريت اليوم (أمس)»، مؤكداً أن «المعركة ستكون حاسمة لتحرير المدينة من عناصر تنظيم (داعش)».

العبادي: «الحشد الشعبي» مؤسّسة عراقية ضمن منظومة الأمن الوطني

وكان مهماً خلال حديث العبيدي تأكيده مشاركة مقاتلين من العشائر في المعارك. وقال: «ما لفت انتباهي، وكان علامة إيجابية مفرحة... (حين) التقيت بعدد من المقاتلين، كان عددهم يتجاوز 250 هم جميعاً من أبناء مدينة تكريت، وكانوا ملتحمين مع إخوانهم من الحشد الشعبي من أبناء المحافظات الاخرى العراقية». وأضاف الوزير العراقي أنّ «هذه حالة مفرحة... وترسل رسائل إيجابية جداً الى الشعب العراقي وترفع من معنويات القوات الامنية».
بدوره، قال رئيس الوزراء حيدر العبادي، خلال خطاب في بغداد، إنّ «أفضل الانتصارات التي حققناها اليوم هي وحدتنا من أجل الوطن... ودحر الارهاب». وأضاف: «بوحدتنا نحقق الانتصار، وهذا المثال الرائع اليوم في صلاح الدين، وفي الانبار».
وقال العبادي إن «هناك من المندسين من يحاول ان يسيء الى انتصاراتنا بارتكاب جرائم وارتكاب تجاوزات خطيرة على أمن المواطنين وعلى ممتلكاتهم، ولذلك وجهنا بأوامر صارمة» بحمايتهم، مضيفاً أنّ «الحشد الشعبي اليوم هو مؤسسة عراقية ضمن منظومة الامن الوطني العراقي». وتسير التطورات في صلاح الدين إلى جانب ما بدأ يوصف بقيام قوات «البشمركة» في محافظة كركوك المحاذية بعملية إعادة انتشار، يبدو أنها تهدف أساساً إلى رسم حدود أي هجمات مقبلة قد تقودها الحكومة العراقية في المحافظة المتنازع عليها. وقال محافظ كركوك، نجم الدين كريم، أمس، إنّ «الانتصارات التي تحققها قوات البشمركة البطلة منذ أيام هي بشرى نزفها إلى أهالي المحافظة، ونقول للكركوكيين إنكم اليوم أكثر أمناً واستقراراً».

الأزهر يهاجم «الحشد»

في هذا الوقت، بدأت معادلة استعادة مدينة تكريت وكل محيطها في محافظة صلاح الدين تخرج من سياق النجاح العراقي الصرف، ليلاقي صداها توظيفاً سياسياً ــ مذهبياً في عدد من المواقع الدينية، كان أبرزها «الأزهر الشريف» الذي انتقد القوات المشاركة في عمليات «التحرير». وقال بيان نشر أول من أمس على موقع «بوابة الأزهر»، إنّ «الأزهر الشريف يتابع ببالغ القلق ما ترتكبه ما تسمى ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، المتحالفة مع الجيش العراقي، من ذبح واعتداء بغير حق ضد مواطنين عراقيين مسالمين، لا ينتمون إلى داعش أو غيرها من التنظيمات الإرهابية». وأضاف: «يؤكد الأزهر الشريف إدانته الشديدة لما ترتكبه هذه الميليشيات المتطرفة من جرائم بربرية نكراء في مناطق السنّة، التي بدأت القوات العراقية بسط سيطرتها عليها، خاصة في تكريت والأنبار وغيرها من المدن ذات الأغلبية السنية». وتابع بدعوة «المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان للتدخل الفوري والعاجل لوقف هذه المجازر، كما يطالب الأزهر الشريف الحكومة العراقية والمرجعيات الدينية المعتدلة بإدانة مثل هذه الاعتداءات بشكل واضح، والتدخل الفوري لوقفها وضمان عدم تكرارها. كما يهيب بالجيش العراقي أن يدقق النظر في اختيار القوات التي تقاتل إلى جواره، وأن يتأكد أنها تقاتل «داعش» لا أهل السنّة».
وإذا كان حديثا العبادي ووزير الدفاع يحملان ردّاً مبطناً على بيان «الأزهر»، فقد وجّه المرجع الديني الشيخ بشير النجفي رسالة إلى شيخ الأزهر، أحمد الطيب، متناولاً ما نشر على موقع «بوابة الأزهر»، داعياً المؤسسة الدينية إلى إيفاد لجنة تحقيق إلى العراق للتأكد من هذه المزاعم التي يروّج لها «داعش». وجاء ضمن الرسالة: «قرأنا بقلق عميق ما نشر على موقع الأزهر من دعوى تعرض أهل السنّة في العراق للإبادة جراء عملية تطهير المدن العراقية من داعش، حيث فرح أهلنا من أهل السنّة بذلك النصر على قتلتهم ومعذبيهم المتوحشين شرّابي الدماء. وكان مصدر قلقنا هو أن أكاذيب ودعايات داعش وداعميها وصلت إلى من يرفض داعش وأعمالها فيتبنّاها كأنها حقائق ثابتة، بينما هي مخالفة للواقع جملة».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)




حارث الضاري:ابن أبو غريب يرحل في إسطنبول

رحل حارث الضاري أمس، بعدما غادر العراق قبل سنوات لاصطدام طرحه السياسي بتشكيل دولة ما بعد الاحتلال. ورحل، أيضاً، بعدما انشغل منذ عام 2003 بالتنقل بين أضلاع مربعه: الأنبار، دمشق، عمان وإسطنبول، لتختصر سيرته عقبات الجمع بين المشروع المناهض للاحتلال والرؤية الشائكة، والإشكالية، للوحدة العراقية ما بعد نظام صدام حسين.
ونعت هيئة علماء المسلمين في العراق، أمس، «أمينها العام فضيلة الشيخ الدكتور حارث الضاري الذي وافاه الأجل صباح اليوم (الخميس) عن عمر يناهز 73 عاماً، إثر مرض عضال». وأضافت أن الضاري «عاش حياة حافلة بالعطاء بدأها بتحصيل العلم الشرعي وتربية الأجيال وتخريج العلماء... وأنهاها بالجهاد في سبيل الله والوقوف بحزم أمام مخططات الأعداء الذين كانوا وما زالوا يتربصون بأمتنا الدوائر ويسعون الى النيل منها».
واشار البيان الى أن الشيخ الراحل «قاد في هذه السبيل مؤسسة كبيرة أوقفت جهدها وجهادها لتحرير العراق من الاحتلال الغاشم وهيمنة الظلم، وعدوان الظالمين».
وتعهدت الهيئة بأن «تبقى متمسكة بثوابتها ومنهجها ومواصلة لمسيرة الشيخ وجهاده حتى تحرير العراق، وإعادته إلى أهله وأمته».
وتوفي الضاري في إسطنبول التركية حيث كان يتلقى العلاج منذ أشهر بعد معاناة مع سرطان في الحلق، بحسب ما أعلنت الهيئة. ومن المقرر أن ينقل جثمانه صباح اليوم الى عمان حيث تقام صلاة الجنازة عليه عقب صلاة ظهر الجمعة في «مسجد الحسين بن طلال» قبل أن يوارى الثرى في مقبرة سحاب (جنوبي شرقي عمان).
وكان الضاري، كما العديد من مسؤولي الهيئة، يقيم في عمان منذ أعوام بعد خلافات حادة مع حكومة بغداد، لا سيما في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تسلم الحكم عام 2006.
وأعلن الاعلام الرسمي العراقي في تشرين الثاني من العام نفسه أن وزارة الداخلية أصدرت مذكرة توقيف بحق الضاري بتهمة «التحريض على العنف الطائفي»، إلا أن الحكومة أوضحت أن ما صدر هو «مذكرة تحقيق» وليس توقيف.
وفي آذار 2010، فرضت واشنطن عقوبات مالية على مثنى الضاري، نجل الشيخ والمتحدث السابق باسم الهيئة، بتهمة دعم تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين. وتوجه اتهامات جديّة للضاري بمسؤوليته عن تمدد العناصر المتطرفة في المحافظات الغربية خلال الأزمة التي عرفتها مع حكومة نوري المالكي.
وولد الشيخ حارث الضاري في منطقة أبو غريب غرب بغداد عام 1941، ودرس في مدرسة دينية في مدينة الفلوجة، قبل أن يتابع دراساته العليات في العلوم الدينية في الأزهر خلال الستينيات من القرن الماضي.
(الأخبار، أ ف ب)