غزة | أكثر من 60 جريمة رصدتها المؤسسات الحقوقية في غزة في الأشهر الأربعة الأخيرة، إذ زادت المعدلات قياسا بأعوام ماضية، وخاصة بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة من دون نتائج مباشرة ومؤثرة لأي عملية إعمار في حياة المواطنين. النتائج التي كانت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان من أهم الراصدين لها جعلت هذه الجرائم تتحول من حوادث عرضية إلى قضايا تشغل الرأي العام، وخاصة مع اختلاط الأحداث الجنائية بالتفجيرات ومحاولات الاغتيال المرتبطة بالنزاع السياسي بين حركتي «حماس» و«فتح»، أو الهجمات ضد بعض المصالح التجارية والأجنبية التي تتبناها «داعش غزة».


تعاقب الجرائم الجنائية، وتنوع أحداثها، كحفر أحدهم نفقاً صغيراً لسرقة محل هواتف محمولة، أو قتل كبار في السن من أجل السرقة أيضاً، ولّدا خوفاً كبيراً بين الغزيين، الذين صاروا يخشون على أنفسهم أن يقعوا ضحية السرقة والسطو المسلح، أو الخطف، في وقت تقول فيه شرطة غزة (تابعة لحكومة حماس السابقة) إنها تعاني نقصاً في التمويل والمقارّ يمنعها من أداء مهماتها، لكنها لا تنفك تذكر بعض «الإنجازات» بإحباط بعض الحوادث الجنائية قبل وقوعها.
حتى المشكلات العائلية الاعتيادية وهرب بعض المراهقين من بيوتهم صارت تحسب في الإطار السابق، ومن ذلك قضية الفتاة خلود شعبان (17عاما) التي اختفت لأسبوع كامل وأغلق ذووها أحد شوارع غزة احتجاجاً قبل أن يتبين أنها هربت من بيتها بناء على خلاف عائلي.
ومن أبرز الأحداث الأخيرة في غزة التي هزت الرأي العام حالات السرقة المتكررة لمحالّ الصرافة أو عيادات الأطباء، وكذلك مقتل المسنة سميحة عوض الله (75 عاما) على يد سائقها الذي كان يوصلها للعلاج. وفي كل الحوادث، كانت السرقة الدافع الأبرز، ولا شك أن ذلك يعود إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أهالي القطاع، في ظل الحصار المحكم أولاً، وأزمة الرواتب ثانياً، وارتفاع منسوب البطالة والفقر إلى مستويات ونسب تخطت حدود 60%، فضلاً على إغلاق سبل الهجرة كليّاً.
من هنا يتخوف متخصصون نفسيون من ازدياد معدلات الجريمة، وتحولها إلى حالات منظمة تقودها عصابات كما حدث قبيل الحرب الأخيرة، لكن ذلك لا يخفي أن بعض الجرائم تُنفذ بدافع الانتقام، كما حدث مع المواطن زكي الغندور (39 عاما) الذي قُتل على يد أقربائه لرفضه تسليمهم مفتاح منزله، شمال القطاع.
«الباقي من حكومة حماس» المسيطرة على غزة، تحاول محاربة هذه الجرائم، ولكنها تظل تحمّل حكومة الوفاق في رام الله أوزار ما يجري على الساحة الاجتماعية. «الأوضاع السياسية تمثل ضغوطاً نفسية على المواطنين، ما يفسح المجال للجريمة أن تتوغل في مجتمع أغلقت في وجهه الأبواب»، يقول مدير العمليات المركزية في شرطة غزة، محمد خلف. ويضيف: «من الطبيعي أن تحدث بعض الجرائم في مجتمع يعاني اشتداد الحصار عليه إسرائيلياً وعربياً ودولياً، ولكننا نقبض على أغلب مرتكبي الجرائم».
وبرغم أن إحصاءات الهيئة الحقوقية تشير إلى ارتفاع معدل الجريمة، فقد أكد خلف أنه يمتلك إحصاءات تخالف ذلك ولا يوجد فيها أي تصاعد، ولكنه فضل الاحتفاظ بها. يتابع: «بالعكس، فلقد انخفض معدل الجريمة خلال الشهرين الماضيين... كل المؤشرات لدينا أرقام طبيعية في ظل معطيات صعبة... ألقينا القبض على 76% من الجناة ويجري البحث عن الباقين».
في المقابل، وفي الإطار الرسمي نفسه، فإن حديثاً سابقاً للمتحدث باسم الشرطة في غزة، أيمن البطنيجي، أكد فيه ارتفاع معدل الجريمة (السرقة والسطو المسلح)، في غزة، وهو نفسه عاد لينفي في مؤتمر صحافي وجود جرائم منظمة أو مجموعات إجرامية، وأن كل ما ارتكب «جرائم فردية متفرقة نابعة من الظروف الصعبة». لذلك يرفض خلف أن «تصور غزة كأنها مقبلة على فلتان أمني»، قائلاً إن «ضعف قبضة حماس الأمنية في القطاع جزء من معركة الهجوم والحصار، لذلك ندعو المراقبين لتشخيص حالة غزة مهنياً، وسيكتشفون أن غزة بمواصفات آمنة بل بدرجة عالية جداً».
وبين هذه التناقضات يرى كثيرون أن «حماس» تسعى إلى إظهار حالة من الفراغ المؤسساتي والأمني لتضغط على رام الله، فلا يعقل أن تكون درجة الضبط عالية جداً في وقت تشكو فيه الحركة غياب التمويل لديها وعجزها عن دفع رواتب موظفيها. وكذلك تقع هذه الطريقة في التعامل على حالة المحاكم التي تشهد إضرابات متكررة نتيجة لأزمة الرواتب، ما يعيق مسار الإجراءات القانونية المتصفة بالبطء أصلا.