تونس | في ما يشبه رسالة للشعب التونسي لكي لا يعوّل كثيراً على تحسن وضعه الاقتصادي قريباً وتخفيفاً للأعباء عن الحكومة إذا ما استطاعت تحقيق اختراقات جدية على صعيد الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، أقر رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، بتردي وضع البلاد الاقتصادي.

وكشف الصيد في كلمة للشعب التونسي استغرقت ثماني دقائق، أن «الوضع الاقتصادي صعب ويبعث على الانشغال (يثير القلق)، العجز في الميزانية بلغ 7400 مليون دينار (3.7 مليارات دولار أميركي) سنة 2014، مقابل 3000 مليون دينار (1.5 مليار دولار) سنة 2010، بينما تراجعت نسبة الاستثمار بنسبة 21% سنة 2014 مقارنة بعام 2013 وأكثر من 32% سنة 2010».

وأشار الصيد إلى أن العجز الاقتصادي في المؤسّسات العامة تجاوز حدود 3500 مليون دينار بالنسبة إلى 25 مؤسسة كبرى، وأن العجز المتراكم للصناديق الاجتماعيّة بلغ 1100 مليون دينار، وأن مستوى تضخّم الأسعار ما زال مرتفعاً وبلغ نسبة 5،6% عام 2014، في حين أن نسبة نموّ الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز 2،3%. وأوضح أن الوضعيّة الصعبة التي يعيشها الاقتصاد التونسي يعود إلى تعطّل آلة الإنتاج خاصّة في قطاعات الفوسفات والنفط وتعطّل إنجاز المشاريع الكبرى، مشيراً إلى ارتفاع نسبة البطالة خاصّة بالنسبة إلى حاملي الشهادات العليا، التي بلغت أكثر من 31%.
وعلى الرغم من لغة الأرقام الهشة، إلا أن الصيد حاول الهروب إلى الأمام عبر تعهده برسم خطة إنقاذ وطنية لمجابهة ما وصفه بـ«الوضع الدقيق»، وكشف أنه «اتخذ إجراءات عاجلة لتصحيح المسار وضبط رؤية مستقبلية للخمس سنوات القادمة».
كلمة الصيد جاءت لتؤكد صحة المعلومات التي اطلعت عليها «الأخبار» حول الوضع السيئ الذي تعيشه المؤسسات الحكومية.
وتشير المعلومات إلى أن 50% من المؤسسات الحكومية من جملة 94 منشأة عامة سجلت خسائر مالية خلال عام 2014، من بينها 25 منشأة بلغت قيمة خسائرها الإجمالية 1735،8 مليون دينار، مقابل رؤوس أموال مجمعة قيمتها 265،3 مليون دينار. كذلك ارتفعت كتلة الأجور في هذه المؤسسات لتبلغ نحو 3737،9 مليون دينار.
هذه المؤشرات التي اعتبرت صادمة تهدد بخطر محدق بمؤسسات قاب قوسين وأدنى من الإفلاس، وقد ضمت قائمة الشركات التي تكبدت خسائر مهمة أسماء مؤسسات ضخمة تعتبر العصب النابض في شريان الاقتصاد التونسي.
تبين المعطيات الرسمية التي اطلعت عليها «الأخبار» من مصدر مطلع في رئاسة الحكومة أن ديوان الحبوب من بين أبرز الشركات التي تكبدت خسائر كبيرة، مسجلاً خسائر بلغت 743،3 مليون دينار، يليه الديوان الوطني للزيت بقيمة خسائر بلغت 241،7 مليون دينار، ثم شركة «نقل تونس» بـ 180،9 مليون دينار والديوان الوطني للتجارة بـ 121،3 مليون دينار.
ورأى الخبير المختص في المخاطر المالية، معز بدر الدين، أن المؤشرات السلبية المسجلة «علامة فارقة في تاريخ المنشآت العمومية التونسية، وهي مسألة في غاية الخطورة، نظراً إلى انعكاساتها الصادمة على الاقتصاد».
وأوضح بدر الدين في حديث لـ«الأخبار» أن السبب الرئيسي الذي أدى دوراً أساسياً في أزمة هذه المؤسسات يتمثل أساساً في ارتفاع كتلة الأجور التي باتت عبئاً ثقيلاً على كاهل ميزانية الدولة التي بطبيعتها تشهد عجزاً. وعن الأسباب والعوامل الرئيسية التي تقف وراء تراجع أداء أشهر الشركات العامة، عزا بدر الدين السبب إلى ارتفاع أسعار المحروقات وما ترتب عنه من ارتفاع في كلفة الإنتاج وتراجع دعم الدولة بالإضافة إلى ارتفاع سعر صرف اليورو وتراجع سعر صرف الدينار التونسي الذي بلغ 14 في المئة ما بين عامي 2011 و2014، إضافة إلى الأجواء السياسية والأمنية التي أسهمت في تراجع الوضع الاقتصادي.
وبحسب الوثيقة الرسمية التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها، فإن 21 قطاعاً عاماً انخفضت معدلات استثماراتها بـ839،1 مليون دينار ما بين عامي 2010 و2012، فيما حافظت 43 منشأة حكومية على توازناتها المالية وتطور أدائها.
ورداً على سؤال عن الحلول العاجلة التي من شأنها تحسين وضع المؤسسات التي تعاني من أزمات، شدد الخبير في المخاطر المالية، معز بدر الدين على أن ترشيد الانتدابات وتجميد الزيادة في الأجور أهم الحلول الكفيلة في تحسين وضع الشركات، إضافة إلى مراجعة منظومة الدعم، خاصة في قطاع المحروقات والكهرباء والغاز وتوفير الظروف الملائمة للإنتاج في شركة فسفات قفصة والمجمع الكيمائي جنوب البلاد وإعادة هيكلة القطاع البنكي بما يدعم الأسس المالية للبنوك العمومية وإعادة توجهات استراتيجيات الصناديق الاجتماعية ودعم الحوكمة الرشيدة للمنشآت العمومية.