في هذي البلاد.. تجتث الأم قلبها، تلم حجراً، أي حجر تحمل عن الأرض وتضعه مكان فؤادها، تفعل ذلك لكي يطاوعها قلبها على أن تلقي بابنها في اليم، ليتلقفه قراصنته وتجاره وتلتقطه ذراع أوروبية ما تحلم الأم أن تكون حنوناً عليه بعض الشيء، على الأقل أكثر من هنا.

في هذي البلاد.. أم تعشش مجموعة احتمالات مؤلمة في عقلها، فتسليه بنوادر عن أمل قد يتحقق. تشتد حاسة السمع لديها في انتظار خشخشة مفاتيح ابنها المعهودة خلف الباب، تتمسك بأملها وتطلب من الله أن يفرج عنه من خلف قضبان الأسر التي لا تعرف أصلا، تحت أي أرض هي. في هذي البلاد...

أم سعت سعيها في الأرض للحصول على لقمة تسد بها رمق أطفالها الجوعی، ومالت حدود البيت خلفها. لاعبو الشطرنج شاءت غرائزهم الوحشية والدونية أن يسدوا الطريق بحواجز تفصلها عن أولادها وزوجها وقتاً لن تدري كم سيطول، فيحط طير علی رأسها ويسلب عقلها المتفتق بمقدار ألم لا ندركه لأننا لسنا أمهات.
في هذي البلاد، أم تصلي، تنام وتحلم أن تطول ذراعاها لتطوق أبناءها كلهم دفعة واحدة، فتباغتها شظايا القذائف دفعة واحدة وتظل روحها تحوم في مكان ما في الأنحاء، تطوق ما تبقى من أولادها.
في هذي البلاد... أم تشلع قلبها. مزقته كل أنواع الشوق والحنين. فكل من روَّتهم من ماء روحها وأرعتهم من قلبها وجسدها ليكبروا، تشتتوا وتشلَّعوا في الكون وفي برزخ يقع في "اللاحدود" للـ"نحن" والـ"هم" .
في هذي البلاد... أم طار رأسها وهي تتفقد من شباكها أماكن سقوط القذائف؛ وأخری تغرد بصوتها كلما انطلقت قذيفة وهوت أخری علينا، كلما انفجر صاروخ وحطّ برميل متفجرات: "شوفوا أعمالو؟ نازلة رفع بعدد الأيتام".
في هذي البلاد... قوانين اللعبة، لعبة الأمم، خلفت أطفالاً لا تحصى أعدادهم، أيتاماً فاقدين لاستنادهم الی صدور أمهاتهم. في هذي البلاد أشياء لا تحصى خلفتها لعبة الحرب القذرة. حيوانات متوحشة كثيرة لا تخضع حتى لقانون الغاب.
في هذي البلاد، كل ما نعرفه يبدو أقل من القليل، وما لا نعلمه أدهی وأمرّ.
في هذي البلاد ما فيها. لكن جنون الأمهات الجميل والمؤلم، لا تسعه تفاصيل يوم واحد، ففي هذي البلاد... الأم كون بكامله.