تونس | تلقت تونس الأسبوع الماضي ضربة موجعة استهدفت إحدى المؤسسات «السيادية» (البرلمان) والمتحف الوطني. ويعدّ اختيار المكان والزمان أمراً لافتاً للنظر، ينبئ بأن العمليات انتقلت من الارياف والجبال إلى المدن، بل إلى المؤسسات الحيوية والسيادية في البلاد. ولا بد أن لهذا التغيير انعكاساته داخلياً وخارجياً.

ومنذ «عملية وادي الليل» (تشرين الأول الماضي)، كان محللون وخبراء عسكريون قد حذروا من أن تغيراً نوعياً ستشهده العمليات الارهابية، على اعتبار أن الاستراتيجيات في الاستهداف والتنفيذ قد تغيرت. وردت السلطات بتأمين مداخل المدن ومراقبتها، وتركيز آليات المراقبة في مناطق حساسة من البلاد. إثر ذلك نفذت الجماعات الارهابية عمليتين في جبال الشعانبي، حصدت آخرها (شهر شباط) أرواح أربعة أمنيين في منطقة بولعابة بالقصرين.

ويبدو أنّ «هجوم باردو»، يوم الاربعاء الماضي، ليس إلا ناقوس خطر جدي، إذ بيّن سهولة تنقل الارهابيين في العاصمة وتنفيذ عمليات نوعية جديدة.
ورغم أن الموقع المستهدف يعتبر مؤمناً، فإن عدد الارهابيين الذين أشرفوا على العملية ونفذوها بلغ، وفق الأرقام الرسمية، سبعة أشخاص، لم تضبط السلطات الامنية اتصالات بينهم وبين «القيادات»، وهو ما قد يعني أن هذه الجماعات مرت إلى مرحلة تحرير المبادرة ووضع الاستراتيجيات والتنفيذ الفردي من دون العودة إلى القادة، وهو ما يطلق عليه تسمية «الذئاب المنفردة»، أي أن تتولى مجموعة من عدد محدود من الاشخاص التخطيط والتنفيذ على الهدف الذي تختاره.
وفي حديث إلى «الأخبار»، تقول رئيسة «المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية»، بدرة قعلول، إنها نبّهت سابقاً إلى أن «استراتيجية الارهابيين في الفترة المقبلة ستكون استهداف المناطق الحيوية... وأن أكبر دليل على ذلك إحباط عملية إرهابية تستهدف شارع الحبيب بورقيبة» حيث وزارتا الداخلية والمرأة، ويعتبر القلب النابض للعاصمة ورمز ثورتها. وتضيف قعلول أن «هناك تغيراً نوعياً على مستوى الاهداف، وهو ما يسمى مرحلة التوحش والاستيطان العميق» داخل المدن، لتصبح الاهداف مستقبلاً مناطق داخل المدن الكبرى ومناطق سيادية.
وتفسر الخبيرة في الاستراتيجيات الامنية هذا التطور من خلال العودة إلى «أدبيات الجماعات الجهادية»، معتبرة أن «ما تمر به تونس يعتبر المرحلة الاخيرة قبل استيطان هذه الجماعات الارهابية في البلاد؛ أولاً تمكنوا من التغلغل داخل البلاد وعوّلوا على التعبئة والاستقطاب الايديولوجي خلال السنوات الثلاث الاولى للثورة (من 2011 إلى 2013)، وكانت مرحلة تميّزت بالخطاب اللين في الجوامع والجمعيات والظهور في الاعلام تحت راية: اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا، وصولاً إلى أن كوّنت هذه الجماعات قاعدة مهمة من المتعاطفين. وانتقلت هذه الجماعات نحو الجبال والأرياف للقيام بالتدريبات والحثّ على الانتقال نحو الجهاد بالسلاح». وتأتي إثر ذلك مرحلة الاغتيالات السياسية، وهو ما عانته تونس خلال الفترة الماضية (اغتيال شكري بلعيد 5 شباط 2013 ومحمد البراهمي 25 تموز 2013). ومنذ صيف 2013 رمت الجماعات الارهابية إلى تنفيذ مخطط ضرب القوى الامنية والعسكرية التي تطلق عليها لقب ‹الطاغوت»، وهي مرحلة حصدت أرواح أكثر من 50 أمنياً وعسكرياً.
وتشير قعلول إلى أن هذه «الجماعات مرت إلى المرحلة الاخيرة، وهي ضرب الاعماق الاستراتيجية والرمزية في البلاد، وهو ما انطلقت في تنفيذه من خلال محاولة استهداف شارع الحبيب بورقيبة الرمزي لدى التونسيين، وهي محاولة أحبطتها قوات الامن، لتنفذ مخططاً آخر وهو ضرب أحد المعالم الثقافية والحضارية (المتحف) الملاصق لرمز سيادي وهو مجلس نواب الشعب».
وتوضح أن «هذه الجماعات قد تستعمل مستقبلاً، لو لم تتم إطاحتها، السيارات المفخخة والقنابل اليدوية والأحزمة الناسفة، وربما العمليات الانتحارية، وقد يكون الهدف المقبل مؤسسة أمنية أو إعلامية لترهيب الاعلاميين والسيطرة على المشهد».
من جهتها، سارعت السلطات التونسية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لتأمين جميع المقار السيادية، وأعادت مركبات الامن والجيش إلى داخل البلاد، كذلك شددت مراقبة الحدود التي تعتبر منفذ الارهابيين من ليبيا إلى تونس. وتواجه السلطات اليوم انتقادات لاذعة بشأن التونسيين العائدين من القتال في العراق وسوريا، الذين لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة بشأنهم، الأمر الذي أتاح لبعضهم التخطيط ووضع استراتيجيات العمليات المقبلة. كذلك أشرف هؤلاء قبل دخولهم الاراضي التونسية على تدريب مقاتلين في ما يسمى إمارة درنة في ليبيا. ويؤكد خبراء عسكريون أن هؤلاء «العائدين» لا يمكن أن يخرجوا عن تنظيماتهم.
مما لا شك فيه، فإن الضربة كانت مؤلمة داخلياً، كما كان لها انعكاساتها خارجياً، فتونس أضحت محطّ أنظار العالم، خاصة مع قضاء 17 سائحاً من جنسيات مختلفة نحبهم خلال العملية وإصابة ما يقارب 50 سائحاً آخرين خلال الهجوم. وإذ عبّرت عدة دول عن مساندتها لتونس عبر خطابات قادتها، فإن الواقع يعكس حقائق أخرى.
ويكشف الواقع حقائق مفزعة، فتونس التي كانت وجهة السياح الأوروبيين، وظلت كذلك خلال السنوات الثلاث الماضية رغم ما عاشته من اختلالات أمنية، ستفقد خلال الفترة الحالية عائدات مهمة من قطاع السياحة نتيجة إلغاء الحجوزات واعتبار تونس وجهة «خطرة».
وستعاني تونس، حتماً، وفق تصريحات خبراء اقتصاد، انعكاسات هذه الضربة على المدى البعيد، خاصة من حيث أرقام الاستثمار والمبادلات الاقتصادية، فمناخ الاستثمار يبقى مهدداً في نظر المستثمرين ما لم تقبِل السلطات على محاصرة خطر الارهاب وتطويقه، وهو ما يعتبر مهمة صعبة ما دامت المواجهات في ليبيا مفتوحة ولا يزال تدفق المقاتلين من تونس وإليها خارجاً عن السيطرة.
ويخشى مراقبون تونسيون أن تكون الضربة الارهابية ذريعة لبعض الدول التي فقدت عدداً من رعاياها في الهجوم الأخير، للتدخل أمنياً في تونس وليبيا، خاصة أن بعضها يتربّص بفرصة مماثلة.