الحسكة | ساحة إعلامية كما هي ساحة حرب. هكذا هي الحال في مناطق «الإدارة الذاتية» لكرد سوريا، والمعلنة في "مقاطعات" الجزيرة (الحسكة)، كوباني (عين العرب)، وعفرين، بهدف التسويق لمشروع "الإدارة" ولما تحققه «وحدات حماية الشعب» الكردية المقاتلة في الشمال والشرق السوريين.


أكثر من أربعين مؤسسة إعلامية كردية، منها (37) مرخّصة، هي قوام التطور الإعلامي السريع الذي شهدته تلك المناطق، ولا سيّما محافظة الحسكة التي استحوذت على أكثر من 85% منها. يضاف إليها عدد من الإذاعات التي تعمل في شمال العراق، والتي وسّعت بثها ليشمل المناطق الشمالية لمحافظة الحسكة. معظم هذه الوسائل تنطق بلسان حزب الاتحاد الديموقراطي، عرّاب «الإدارة الذاتية»، وتسوّق لسياسته، وتدعم جناحه العسكري، الممثل بـ«الوحدات» التي أتاحت سيطرتها على عدة مدن في الحسكة بعد انسحاب القوات الحكومية منها، دون قتال، المجال لهذه الوسائل بالظهور تباعاً. وهذه الوسائل طورت أدواتها بشكل سريع، معتمدة على تمويل تجار ورجال أعمال كرد في المغترب، والذين أبدوا حرصهم على إيجاد أدوات إعلامية تروّج لما يحققه الكرد من انتصارات عسكرية. «الإداراة الذاتية» أبدت اهتماماً ملحوظاً بالإعلام الكردي، وحرصت على تنظيمه وتأطيره بمؤسسة دون حصرها بـ«هيئة» (وزارة). وحافظت على مؤسسة «اتحاد الإعلام الحر» التي تأسّست في عام 2012، قبل الإعلان عن «الإدارة الذاتية» كمؤسسة تقوم على تنظيم العمل الإعلامي في المنطقة، وتنسيق عمل كل الوسائل الإعلامية، قبل أن يخضع لإشراف غير مباشر من «الإدارة الذاتية»، بعد إعلانها في 21/1/2014.


إذاعة "سنابل إف أم" التابعة لوزارة الإعلام السورية بدأت ببث نشرة أخبار باللّغة الكرديّة

نائب رئيس المجلس التنفيذي «للإدارة الذاتية لمقاطعة الجزيرة»، حسين عزام، يرى «أن ترك الإعلام مستقل ضمن هيئة تنظّم أموره هو تطبيق لمبدأ الديموقراطية وحرية الرأي والتعبير الذي يعتبر منهجاً أساسياً لعملنا». ورخّص «الاتحاد» تسع إذاعات، أولاها "صوت جودي" وتلتها إذاعات «زلال، آرتا، فين، هيفي، خابور، روداو، مايجت، أوركيش»، بموازاة الترخيص لـ 28 مجلة وصحيفة، كانت أولاها صحيفة "روناهي" ومجلة "شار"، ومعظمها يصدر باللغتين العربية والكردية.

التركيز على الشأن الكردي

إجراءات الترخيص لوسيلة إعلامية في المنطقة يشرحها رئيس«اتحاد الإعلام الحر» محمد كمال، لـ«الأخبار» بالقول: «الإجراءات تقوم على تقديم طلب الترخيص، واسم المسؤول، والجهة الممولة، شرط أن تراعي برامجها مبدأ أخوة الشعوب، والتعايش في ما بينها». ويحدد كمال الخطوط الحمراء للعمل بـ«ألا تعمل المؤسسة بخطاب معاد لسوريا، ولروج أفا (مناطق الإدارة الذاتية الكردية)». ويلخص كمال عمل الاتحاد «بتنظيم عمل الإعلام في روج أفا، وترخيص المؤسسات الراغبة في العمل فيها، وتقديم التسهيلات للصحافيين والإعلاميين». ويضيف: «نحن كاتحاد لا نقف إلى جانب حزب، أو قوى، إنما ننظم عمل الإعلام على مبدأ الديموقراطية، وحرية الرأي والتعبير».

تفاوت في الإمكانات والأداء

بثماني شاشات كبيرة، وعشرات أجهزة كومبيوتر، وشبكة إنترنت سريعة مع أجهزة بث حديثة، وأكثر من 40 موظفاً، أغلبهم من الكرد، وبناء مكون من أكثر من سبع غرف، وقاعة تحرير، تبث إذاعة "آرتا" من مدينة عامودا، مركز «الإدارة الذاتية»، على مدار اليوم. «نعمل بشكل مريح، ولا نتعرض لمضايقات. همّنا هو أن نكون إعلاماً يلبي حاجة الناس وأذواقهم في المنطقة» يقول محمد رمضان حسن، صاحب الإذاعة ومديرها، ويضيف: «نحاول أن تكون برامجنا منوعة، ونركز على الطابع الاجتماعي والخدمي مع وجود نشرات للأخبار، وبرامج باللغات العربية والكردية والسريانية ترصد الأحداث السياسية والتطورات الميدانية لمنطقتنا وسوريا والعالم». وعلى بعد مئتي متر تقريباً، في ذات المدينة، وبإمكانات بسيطة، وأربع غرف صغيرة ضمن مبنى الاتصالات الحكومية، وأقل من عشرة موظفين بأعمار صغيرة، تبث إذاعة "أوركيش". وتقول سوزدار، إحدى مذيعات الإذاعة: «الإذاعات التي انتشرت في منطقتنا منحتنا فرصة لإثبات أنفسنا، والحصول على حقنا الثقافي الذي لم نكن نعيشه في السابق كما يجب». وتتابع قائلة: «نظهر في برامجنا المنوعة التعايش والمحبة، وحقيقة الثقافة الكردية التي تحث على أخوّة الشعوب، ونبرز دور وحدات حماية الشعب في الحفاظ على الأمان والاستقرار في مناطقنا».

الإعلام السوري باللغة الكردية

وبعيداً عن الإعلام الكردي، بدأت إذاعة "سنابل إف أم" المحلية، والتابعة لوزارة الإعلام السورية، ببث نشرة أخبار باللّغة الكرديّة، إلى جانب اللغات العربيّة والسريانيّة والآشوريّة، وذلك بعد شهر واحد من انطلاقتها في اليوم الأوّل من العام 2015، كأوّل إذاعة محلية سورية في المنطقة الشرقيّة. مدير المركز الإذاعي والتلفزيوني في الحسكة، فاضل الحماد، أكد لـ«الأخبار»: «نظراً لكون محافظة الحسكة تشهد تنوعاً ديموغرافياً، رأينا من المهم أن يكون هناك نشرات وبرامج تعبر عن كل أطياف المحافظة، وتلبي أذواقهم»، وهذه الخطوة يبدو أنها تهدف إلى مزيد من الانفتاح الإعلامي في ظل اجتياح وسائل الإعلام الكردية للمحافظة.
وعلى أثير هذه الإذاعات تعيش مناطق «الإدارة الذاتية» في الشمال السوري مرحلة جديدة، يكمل الإعلام الناطق باللغة الكردية رسم ملامح المنطقة التي ولدت في الأزمة السورية، الهواء السوري ممزوجاً بلغات ولهجات كانت موجودة على الأرض، إلا أنها اليوم وجدت مساحتها وانطلق صوتها في الفضاء.