في بيان صدر عن «المجلس الأردني للشؤون الخارجية»، ووقّعه ممثلو قوى الحركة الوطنية، إدانة شديدة «للعدوان السعودي على الشعب اليمني الشقيق»، ورفض تام للمشاركة في هذا العدوان الذي «يسيء إلى مصالح الأردن الاستراتيجية، ويهدر كرامة الأردنيين». موقع الكتروني واحد نشر هذا البيان؛ فالأردن يعيش حالة واقعية من الأحكام العرفية؛ كل الأصوات المعارضة أو المعترضة على السياسات الرسمية الخارجية، لا مكان لها في وسائل الإعلام المحلية، بما فيها المواقع الإخبارية الالكترونية التي تحظى بشعبية، وتكسر، عادة، حاجز الصمت، ولكن الإعلاميين باتوا يتوخّون تلافي المثول أمام المحاكم.


في الخارج، يظهر كأن الأدوار الأمنية والعسكرية التي يؤديها النظام مدعومة بما يشبه الإجماع. وفي الواقع، إن كسر هذه الصورة لم يعد ممكنا إلا بالتظاهر، بينما يبدو أن قوى الحراك الشعبي قد أُنهكَت بعد أربع سنوات من انطلاقها من دون موارد أو حليف إقليمي أو دولي.

يعرف النظام الأردني
أن قوته الآن ليست سوى
انتفاخاً مؤقتاً

يشعر النظام الأردني بالقوة، بحيث أنه أسفر عن سياساته علانية؛ ففي مرحلة الحراك الجماهيري، وللحصول على دعم القوى الوطنية والقومية واليسارية في مواجهة الإخوان المسلمين، كانت التدخلات الأمنية في سوريا ذات طابع سري ومحدود نسبيا. الآن، مع تراجع حركة الجماهير، وتلاشي الحضور الإخواني، جرى تهميش الشخصيات السياسية الميّالة إلى حياد أردني عن الصراعات الإقليمية، وبات صُنع القرار في أيدي الأجنحة الأميركية والسعودية. الخطوة النوعية الجديدة، تتمثل بالانتقال إلى الإعلان الصريح عن قرارات مثل تدريب مقاتلين عشائريين سوريين، والتحريض على الحوثيين في اليمن، بل لم يعد الإعلام الرسمي معنيا بنفي التدخل الأمني ـ العسكري، كما حدث، الأسبوع الماضي، في عملية دعم جبهة النصرة للاستيلاء على بلدة بصرى الشام الاستراتيجية.
ينبغي الاعتراف بأن مصادر قوة النظام الأردني لا تنبع، فقط، من استنزاف الحركة الوطنية والشعبية، وإنما، أيضا، من الدعم الجدي الذي يلقاه من قبل التيارات الإسلامية والبعثية (العراقية) والفئات الاجتماعية المعبّأة مذهبيا ضد الشيعة، والإعلاميين المرتبطين بشبكة العلاقات الأميركية ـ الخليجية، وأوساط نيابية، وخصوصا نواب المخيمات. تلقى سياسات التدخل العدواني في سوريا، ومعاداة حزب الله، ترحيبا هنا؛ لذلك كله، فإن الإعلان عن المشاركة في الحلف السعودي للعدوان على الشعب اليمني، لم يتطلّب من صانعي القرار، أي تحفظات أو شرح أو تفسير؛ ألا يكفي أن «أنصار الله»، شيعة؟ نائب مخيم الوحدات، خليل عطية، أصدر، على الفور، بيانا حيّا فيه خادم الحرمين، وأعلن تأييده، فيما أيّد الغارات على «جماعة الحوثي المدعومة من ايران، وتعمل على السيطرة على اليمن بالقوة واقصاء الشعب اليمني وقهره بقوة السلاح،» فيما أيّد «الإخوان المسلمون» ـ الجناح الحمساوي ـ «عاصفة الحزم»، ودعوا إيران «للكف عن سياسة تصدير الثورة»، بينما دانوا «الكارثة التي اوقعها الحوثيون في اليمن وطنا وشعبا».
أكثر من ذلك، فإن انفتاح عمان النسبي على إيران، قوبل بحملة برلمانية وإسلامية وصحافية، تشبه تلك التي واجهت قرار المشاركة في الحلف الأميركي ضد «داعش»، المنظمة الإرهابية التي كانت تحظى بتأييد واسع نسبيا، باعتبارها «شوكة سنية». هذه المعركة، ربحها النظام بعد استشهاد الطيار معاذ الكساسبة، حرقا، على أيدي الدواعش، بل وجرى استغلال العواطف الشعبية إزاء الجريمة البشعة للتحشيد غير المشروط وراء نهج التدخل الخارجي: من محاربة «داعش» في شمالي شرقي سوريا، إلى مساندة شقيقاتها الإرهابيات في جنوب البلد الشقيق، ومن الإعلان عن الدعم الكامل لبغداد، والتنسيق معها، إلى المشاركة في الحلف السعودي ضد الحوثيين. ووسط هذه السياسات المتناقضة في المحيط العربي، تستعد عمان للحوار مع الجمهورية الإسلامية في طهران، وخصوصا إذا ما جرت تسوية ملفها النووي.
لا يوجد، في النهاية، نهج سياسي أردني متّسق، ولا دوافع محلية أو فكرية أو استراتيجية أو دينية؛ فالقرار الذي يُصنَع في دوائر ضيقة جدا، ولا تؤدي الهيئات الحكومية والدستورية، أيّ دورٍ في صوغه، بات يؤخَذ بالقطعة، وفقا للاتجاهات المتناقضة لحلفاء النظام ومموليه، من دون أي اعتبار لمصالح الأردن الاستراتيجية أو صورته أو كرامة أبنائه. وراء الولايات المتحدة، سارت عمان من التنسيق مع السعودية في دعم حلفاء «داعش» في المثلث السني العراقي، إلى القتال ضدها على الإيقاع الأميركي البطيء والغامض نفسه، ومن التحشيد ضد رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، إلى تعزيز الأواصر مع خَلَفه، حيدر العبادي؛
في جنوب سوريا، تمشي عمان تحت المظلة الأميركية، ولكن وراء السعوديين، الأكثر إلحاحا على تحقيق نجاحات إرهابية ضد الجيش السوري وحلفائه؛ ولكن، في العلاقة مع إيران، تنفّذ مناورة سياسية لضمان المستقبل بدعم ـ ويُقال بطلب من واشنطن. ـ هنا، مقاربة تدعو إلى التأمّل، وكأن الأردن في حجم الولايات المتحدة، بحيث يمكن تطوير العلاقات الأردنية ـ الإيرانية، من دون المساس بسياسات التدخل المعادي ضد القوى الحليفة لإيران! هل يعطي الإيرانيون، بدورهم، هذا الانطباع عن انفصال الملفات؟
بُعيد مؤتمر جمع التبرعات لمصر في شرم الشيخ، همهم العديد من المسؤولين الأردنيين، وبعضهم علنا، بالاستياء من السعودية التي تُمطر الأموال، من دون حساب، على نظام السيسي، بينما تمنح المساعدات للنظام الأردني بالقطّارة؛ الآن تحتاج خزينة المملكة الأردنية، الخاوية، وبصورة طارئة، إلى مليار من الدولارات السائلة، لا إلى المساعدات المقننة المشروطة بجداول مشاريع بنى تحتية كما هو الحال مع المنحة الخليجية السنوية للأردن. هل ستقوم الرياض بتأمين هذا المبلغ لعمان، نظير المشاركة في العدوان على اليمن؟
المشاركة الأردنية في « عاصفة الحزم»، رمزية وسياسية بالدرجة الأولى؛ فالأعباء التي تتحملها القوات المسلحة الأردنية، لا تسمح بأكثر من تقديم خمس أو ست طائرات للحملة على اليمن، وربما، لاحقا، قوات خاصة محدودة، بينما يمكن للقاهرة، أن تشارك، بصورة فعالة في عمليات حربية ضد القوات اليمنية، على نحو ليس باستطاعة السعودية وحليفاتها الخليجيات، القيام به. يعني ذلك، حال استمرار الحرب، تصدّر النظام المصري كـ «عمود للتحالف السني»، ما يجعل الدور الأردني هامشيا، وإذا ما تمكن الجيش السوري وحلفاؤه، عما قريب، من انجاز عسكري مهم في جنوب سوريا، فإن عمان لن تجد مَن يكاتبها، ولا مَن يمنحها مليارا طارئا.
ما يقدّره النظام الأردني من تمتعه بالقوة، الآن، ليس أكثر من انتفاخ مؤقت؛ فالاقتصاد الأردني يزداد تضررا بسبب الاضطراب الأمني في الإقليم، والمديونية العامة المتزايدة قفزت عن ثلاثين مليار دولار، وعملية فبركة اللجوء السوري إلى البلاد للضغط على النظام السوري، سوف تنتهي بحقيقة توطين كتلة ديموغرافية مليونية تُنهك موازنة الخدمات العامة على المدى المتوسط، والتدخلات العدائية ضد دول وقوى متناقضة، سوف ترتد، في النهاية، على صورة تهديدات للأمن الوطني الأردني. وإذا كانت حرب اليمن ستستمر، فإنها ستكون مستنقعا للسعودية، المرشحة للتفكك والفوضى؛ لن يبقى للنظام الأردني من حليف، في آخر الأمر، سوى إسرائيل التي تخطط لابتلاع الأردن في مشروع الدولة البديلة الخاضعة. وهذا هو، بالذات، ما يُقلق الوطنيين الأردنيين، ويدفعهم، أكثر فأكثر، إلى التجذّر في محور المقاومة، وخصوصا أن احتمالات الانفجار الشعبي جمر تحت رماد زائف.