صنعاء | تبدو العاصمة صنعاء على حالها مع طلوع شمس يوم الخميس عليها وبعد ساعات قليلة من بدء الضربات الجوية السعودية على مناطق في ضواحيها.

لقد قام سكّان المدينة من نومهم على صوت طائرات الـ«إف 16» وذهبوا لمواصلة أعمالهم، متجاهلين شائعات خرجت على بعض المواقع الإخبارية المحلية وهي تتحدث عن فرض حالة تجوال لم يتم تأكيدها رسمياً.
كان لافتاً استمرار التيّار الكهربائي وعدم انقطاعه كما كان يحدث في ظروف سابقة، وهو ما منح الناس فرصة لمتابعة الصور المتلاحقة التي كانت تصل إلى شاشات الفضائيات العربية التي استمرت في بث متواصل نقل ما يجري على الأرض اليمنيّة من عدوان سعودي، لكنّ كل قناة تقوم بنقل الصورة التي تناسب توجهها والطرف الذي تقف إلى جواره. مع هذا يبدو المواطن اليمني المتابع عارفاَ لتلك الصورة التي تنقل حقيقة ما يجري على الأرض.

من هنا لا يتردد سائق تاكسي لا يزال يعمل في صنعاء، على الرغم من استمرار الطائرات السعودية في ضرب بعض المواقع العسكرية في ضواحي العاصمة اليمنية، في إعلان غضبه ضد «ملك الأرض الحرام»، كما أطلق عليه، وهو يقوم بتوجيه طيّاريه لاختراق الأجواء المحليّة. يقول ذلك الشاب الثلاثيني مشيراً إلى موقفه وانتقاده الدائم للكثير من تصرفات جماعة الحوثي في صنعاء، «لكنّ هذا شأننا الخاص ونحن نتكفل به فما شأنهم؟».
على هذا لا يبدو أن صورة النظام السعودي قد تغيّرت تماماً في ذهن الفرد اليمنيّ خلال السنوات التي عاشها ذلك الشابّ، وكأنما يشير إلى حالة شبه جماعية في هذا الخصوص. وكأن الضربات السعودية الجديدة على الأراضي اليمنية قد جاءت لتعيد اختبار صورة «نظام المملكة» في ذاكرة أهل اليمن وتعمل على استعادة مواقف كثيرة أثبتت فيها هذه المملكة أنها تسير على خطى مؤسّسها الذي طرح وصية تقول إن على أحفاده ضرورة عدم ترك اليمنيين في حالة استقرار طوال حياتهم.
لا يمنع هذا من ظهور أصوات نجحت اليوم في اختراق مظاهرات شبابية قامت ظهر أمس في مدينة تعز، وغالبيتها من جماعة «الإخوان المسلمين» ( التجمع اليمني للإصلاح)، رُفعت فيها صور للملك السعودي سلمان. لقد ظهر هذا كما لو أن قيادات ذلك الحزب الديني لم يقدروا على نسيان الضربة التي قامت جماعة «أنصار الله» بتوجيهها ناحيتهم بعد نجاحهم في السيطرة على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول الفائت، وكان العامل الذي قام بإبعاد «الإخوان» والجماعة من على واجهة العمل السياسي في اليمن بعدما كانوا في مقدمته طوال فترة حكم الرئيس السباق علي عبدالله صالح.
قد يطرح هذا إشارات إلى خسارة «تجمع الإصلاح» للرصيد الذي كان قد كسبه عبر موقف عدم التورط في أعمال قتاليّة ضد الحوثيين في العاصمة صنعاء، وهو ما منع حصول معركة كانوا جاهزين لها بقيادة اللواء علي محسن الأحمر، الرجل الذي كان رفيقاً لعلي صالح أثناء حكمه ويقيم الآن في السعودية بعد خروجه إثر سيطرة الحوثيين على العاصمة.
بدوره لا يتردد علي المساوى، وهو أستاذ في جامعة صنعاء، في إعلان استغرابه من إصرار المملكة على الدخول في الشأن المحلّي اليمني من الباب الخاطئ، في كلّ مرة تسعى فيها لوضع خطوات أخرى لها في اليمن. «لكنّ هذه المّرة تبدو عدوانية الأمراء واضحة وشرسة وستفعل جراحاً ستبقى على المدى الطويل في ذاكرة اليمنيين»، يقول المساوى الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي اليمني الذي أعلن موقفه الرافض لفكرة الحرب بصورة عامّة، في اجتماع لجنته المركزية الأخير يوم الاثنين الفائت.
بدوره، يقول باحث في علم الاجتماع السياسي، فضّل عدم ذكر اسمه، إن قرارات الجامعة العربية في ما يخص مسألة الدفاع المشترك إنما تأتي في العادة للتغطيّة على عملية قد تم التنسيق لها مسبقاً. وقضية الاتفاق على الضربة السعودية على الأراضي اليمنية قد تم الترتيب لها بشكل سابق على موعد لقاء وزراء الخارجية العرب في شرم الشيخ، بمعنى أن القرار كان لإضفاء شرعية ومخرج قانوني ليأتي بمثابة غطاء للضربة الجوية على اليمن. كذلك فإن التلبية السعودية السريعة لرسالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي تتعامل معه الجامعة العربية كرئيس شرعي إضافة إلى مجلس الأمن، كل هذا ساعد المملكة في التلبية، لما فيه من تحقيق لمصالحها، بعيداً عن كون هذا في تلبية أو توافق مع مصلحة المواطن اليمني على الأرض.