لليوم الثاني على التوالي، استمرت الاشتباكات العنيفة داخل أحياء مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين (جنوب دمشق)، بعد اجتياح إرهابيي تنظيم «داعش» للمناطق التي يسيطر عليها مسلحو المعارضة السورية وسط وجنوب المخيم منذ أكثر من عامين. ويخوض مسلحو «أكناف بيت المقدس» المحسوبين على حركة حماس، ومسلحون تابعون لـ«جيش الإسلام» و«شام الرسول» معارك ضارية مع «داعش»، الذي هاجم المخيم مرتين، صباح أمس وأول من أمس من منطقة الحجر الأسود، جنوب المخيم.


وتشير المعلومات الى أن جزءاً من قيادة وعناصر إرهابيي «جبهة النصرة» في المخيم ساعدوا «داعش» على اقتحام المخيم بعد مبايعتهم قائد التنظيم أبو بكر البغدادي، فيما يلتزم الجزء الآخر البقاء على الحياد في المعارك الجارية.
إلّا أن تحرّك «داعش» السريع، يأتي في وقت قاتل بالنسبة إلى الاتفاق الذي كانت قد توصّلت إليه وساطات منظمة التحرير الفلسطينية و14 فصيلاً فلسطينياً مع مسلحي اليرموك. وكان من المفترض أن يتم توقيع الاتفاق الذي تمت عرقلته مرات عدّة سابقاً، يوم أمس، ليقوم على أثره المسلحون بالانسحاب إلى أطراف المخيم ولتتم تسوية أوضاعهم لاحقاً. كذلك تشكّل سيطرة «داعش» على الأجزاء الجنوبية من المخيّم عاملاً جديداً في سياق الضغط الميداني والأمني والسياسي على العاصمة دمشق، على الرغم من الصعوبات البالغة التي تعيق تقدم التنظيم في المخيم باتجاه الشمال، أي نحو ساحة البطيخة وحي الميدان الدمشقي.
غير أن وجود «داعش» في اليرموك وعلى مقربة من دمشق، وخروج عدد من العائلات من المخيم، يفتح الباب واسعاً أمام تغيير الجيش السوري لآلية التعامل مع التهديد الآتي من المخيّم، إذ امتنع الجيش عن المشاركة في أي قتال داخل اليرموك نظراً إلى رمزية المخيم بالنسبة إلى القضية الفلسطينية وحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، فيما تكفّلت بعض الفصائل الفلسطينية، وأبرزها «الجبهة الشعبية ــ القيادة العامة» بقتال مسلحي المعارضة.
ووجهت وزارة الخارجية السورية من جهتها رسالة إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة حول «دخول إرهابيي داعش إلى مخيم اليرموك»، مؤكدة أن «الهدف هو إسقاط اتفاق المصالحة المحلية الذي كان مقرراً توقيعه غداً».
وطالبت الخارجية الأمم المتحدة ومجلس الأمن بـ«الضغط على الدول الداعمة للإرهاب لإخراج مسلحيها من مخيم اليرموك».
وفي السياق، يقول السفير الفلسطيني في دمشق أنور عبد الهادي لـ«الأخبار» إن «داعش يريد إجهاض التسوية التي تمّ الاتفاق عليها لخروج المسلحين وتحييد المخيم والشعب الفلسطيني عن الصراع». وأشار عبد الهادي إلى أن «الاتفاق كان إيجابياً جداً لأبناء المخيم، وكنا قد بدأنا العمل على مساعدة العديد من أبناء شعبنا الفلسطيني حتى ممن حمل السلاح على تسوية أوضاعهم وتأمين مساعدات مالية وعينية أخرى للأهالي. نحن منذ اليوم الأول للأزمة السورية اتخذنا قرارنا بالبقاء على الحياد كفلسطينيين، لأن سوريا دولة شقيقة ولم تقدم إلا كل الخير للشعب الفلسطيني الذي نزح إليها، لكنّ بعض الفلسطينيين أبى إلّا أن يزجّ الفلسطينيين في الصراع». وأكد الهادي أن «إرهابيي داعش احتلوا مقرّ الهيئة الوطنية الفلسطينية وهو مكان تقديم المساعدات لأبناء شعبنا».
بدورها، أشارت مصادر عسكرية بارزة في «القيادة العامة» لـ«الأخبار»، إلى أن «مقاتلي الجبهة لم يشاركوا أبداً في المعارك الدائرة، ولا يمكن لإرهابيي داعش أن يتقدموا متراً واحداً باتجاه المناطق التي نسيطر عليها من المخيم». وأكد المسؤول الإعلامي في الجبهة لـ«الأخبار» أنور رجا أن «مجريات المعركة تؤكّد ما كنا نقوله للمسلحين الفلسطينيين منذ البداية عن ضرورة تسليم السلاح وتجنيب الفلسطينيين القتال الدامي، الذي ينهي حقّ العودة».
وعلمت «الأخبار» أن «أكناف بيت المقدس» شعرت أخيراً بفقدان السيطرة بعد سلسلة الاغتيالات التي تعرّض لها بعض الناشطين فيها، والتي كان آخرها اغتيال المسؤول في حماس يحيى الحوراني، بعدما وجّهت أصابع الاتهام إلى «النصرة»، ما أدى إلى تبدّل بالتحالفات استفاد منها تنظيم «داعش».


وجود «داعش» يغيّر
قواعد تعامل الجيش السوري
مع المخيم
وتشير المعلومات إلى أن «أكناف بيت المقدس» التي لم تستطع حتى الآن الحصول على الإمدادات البشرية والعسكرية من منطقة يلدا القريبة للاستمرار في مواجهة «داعش»، بدأت تبحث عن حلول للتواصل مع الجيش السوري والفصائل الفلسطينية المناوئة لمساعدتها في مواجهة «داعش».
وقال مصدر ميداني فلسطيني لـ«الأخبار» إن «عشرات الشبان الفلسطينيين المهجرين من مخيم اليرموك ذهبوا إلى أطرافه الشمالية للمشاركة في تحريره من داعش والنصرة». وأضاف المصدر إن «الفصائل الفلسطينية كانت تسعى بشكل حثيث، بالتوازي، إلى تشكيل قوة فلسطينية للدخول إلى مخيم اليرموك»، الأمر الذي «قد يجد تعبيراته الملموسة في الأيام القليلة المقبلة».
وتمددت المعارك على نطاق واسع يوم أمس، لتشمل المناطق الجنوبية من المخيم، كشارع الثلاثين وشارع الـ15 ومشفى فلسطين، وصولاً إلى وسط مخيم اليرموك، في شارع المدارس، ولوبيا. وقد عمد «داعش» الى احتجاز عدد من الشبان الفلسطينيين في المناطق التي سيطر عليها، وأن «معلومات غير مؤكدة تتحدث عن إعدام بعضهم».
وفي درعا، جنوباً، قال مصدر محلي لـ«الأخبار» إن مسلّحي جبهة النصرة، بعد سيطرتهم على معبر نصيب على الحدود السورية الأردنية، باشروا في «نهب وسلب ناقلات الشحن والترانزيت المتوقفة بجانب المعبر بعد إغلاقه. وتخلل ذلك حالات تهديد واعتداء بالضرب على بعض سائقي الشاحنات». وفي موازاة ذلك، وسع سلاح الجو من نطاق غاراته أمس على مواقع المسلّحين، لتشمل كلاً من عقربا والجمرك والمال والشيخ مسكين وانخل وزمرين وسملين، لتسفر عن مقتل العديد من المسلّحين.
وفي ريف حماه الشرقي، وتحديداً في محيط مدينة السلمية، الشرقي والشمالي والجنوبي، تستمر المواجهات بين الجيش والدفاع الوطني من جهة، ومسلحي «داعش» من جهة أخرى، في العديد من المزارع والقرى كالمبعوجة وعقيربات وحمادي عمر وتوينان.