التحضيرات لعملية عسكرية بحجم «عاصفة الحزم»، وفي هذا الموقع الاستراتيجي الحساس من العالم، وبمثل هذا العدد من الدول المشاركة، تحتاج إلى مساعٍ مطولة لإقناع دول معينة، مصر وباكستان تحديداً، بالمشاركة، وتدريب القوات لتنفيذ العمليات بما يتناسب مع طبيعة ميدان المعركة، وتحضير بنك الأهداف، وتحتاج إلى مقدار كبير من قدرات القيادة والسيطرة لتنسيق الأدوار بين الدول المشاركة، وبذل جهد منظم ومتواصل لتأمين استقرار أسعار النفط.


بدايةً، قد لا تحتاج دول الخليج، والأردن والمغرب، للكثير من الإقناع للمشاركة في هذه العملية العسكرية، ولكن حالة الدول الأخرى هي التي يجب أن تدرس بعناية، وخاصةً حالة مصر والباكستان. فقد تداولت وسائل الإعلام عدة مرات، خلال النصف الثاني من العام الماضي، تسريباتٍ لطلب السعودية من مصر أن تنقل بعض القوات العسكرية إلى السعودية، أو إلى دول الخليج الأخرى. استندت هذه الروايات إلى تفسيرات بعض المحللين لمقولة الرئيس المصري الشهيرة أن مصر لن تستغرق أكثر من «مسافة السكة» للتدخل إذا ما دعت الحاجة. أظهرت الشهور الماضية أن الرئيس المصري، ومن خلفه المؤسسة العسكرية المصرية، يمسكون بزمام الأمور بشكل محكم في مصر وأنهم قادرون على اتخاذ مثل هذا القرار فعلاً، ولا سيما وسط ما بدا أنه غياب للأصوات المعارضة في الشارع المصري لمثل هذا التدخل.

لو كانت العملية قصيرة الأمد لتركت السعودية برميل النفط يحتفظ
بسعره الجديد

لكن الأمور في باكستان ليست بهذه السهولة. فقد تداولت وسائل الإعلام عدة مرات خلال الأشهر الماضية تسريباتٍ مفادها أن باكستان رفضت طلب السعودية إرسال قوات عسكرية إلى أراضيها. وبحسب ما ظهر، فإن باكستان لم تحسم أمرها، نهائياً، لناحية المشاركة في العملية إلا يوم الاثنين 30 آذار. هذا يعود بالطبع إلى تعقيدات الوضع الداخلي الباكستاني، والنسيج الاجتماعي المكون من السنة والشيعة، وصراعات مراكز النفوذ بين السلطة المدنية والجيش الباكستاني. ويبدو أن السعودية استخدمت نفوذها لدى الجيش الباكستاني لإقناع السلطة المدنية. وقد تكون الصفقات العسكرية التي وُقِّعَت، أو وصلت المراحل الأخيرة من التفاوض، هي الوسيلة إلى ذلك. فبعد أن كانت السعودية قد عاينت دبابة «الخالد» الباكستانية في عام 2006، ورفضت شراءها، عادت، بعد تسع سنوات، مطلع شهر آذار هذا العام، إلى التعاقد عليها. كذلك يبدو أن صفقة مقاتلات «JF-17» الباكستانية الصنع وصلت أيضاً إلى مراحلها الأخيرة. ستفيد هذه الصفقات، التي يتوقع أن تصل قيمتها إلى عدة مليارات من الدولارات، الاقتصاد الباكستاني، والصناعة العسكرية الباكستانية بشكل كبير، ولا سيما أنها قد طرحت ضمن إطار تعاون عسكري باكستاني سعودي أكثر اتساعاً. يمكن القول إن السعودية استخدمت نفوذها لدى العسكر، الذين سال لعابهم لهذه الصفقات التي ستقوي مؤسستهم العسكرية، لإقناع الحكومة الباكستانية بالمشاركة.
أما السودان، فيبدو أنه قد حسم أمره لناحية نقل البندقية إلى الكتف الأخرى. فبعدما احتضن عدداً من المشاريع العسكرية الإيرانية ووفر جزءاً مهماً من مسار نقل السلاح إلى قطاع غزة، وربما أيضاً إلى حزب الله، وتعرض بسبب ذلك لعدد من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مثل هذه القوافل، في شباط 2009، ومجمع اليرموك العسكري، في تشرين الأول 2012، يبدو أن السودان قد وجد أن عواقب هذا التحالف أكبر من فوائده، فقرر أن ينفذ استدارة تقارب المئة وثمانين درجة في موقفه؛ وقد يكون موقف السودان هو نتيجة خشيته من أن تكون بعض مواقعه العسكرية هدفاً محتملاً، إن هو قرر أن يرفض المشاركة في هذه العملية. هذا لا يفسر، على أي حال، لماذا لم تسرب حكومة الخرطوم لحليفتها السابقة تحذيرات، ولو ضمنية، حول جدية العمل العسكري المقبل.
استعدادات السعودية للعملية العسكرية شملت أيضاً عدداً من المشاريع التدريبية وعقد العديد من صفقات السلاح رفعت السعودية إلى المرتبة الثالثة عالمياً، في العام الماضي، من حيث مجموع الإنفاق العسكري الذي وصل إلى 80 مليار دولار. ولعل أهم عمليات التدريب، التي نكتشف اليوم صلتها بالعملية في اليمن، هي عمليات التدريب التي انطلقت في فرنسا، في جبال الألب، تحت مسمى «شمرخ 1»، والتي انطلقت في شهر تشرين الأول الماضي، قبل ستة أشهر من انطلاق «عاصفة الحزم». شارك في عمليات التدريب أعداد من القوات الخاصة السعودية، ووحدات الاستطلاع والمظليين في القوات البرية السعودية. في ذلك الوقت كان التوقع بأن السعودية تحشد لمواجهة الإرهاب الداعشي على حدود العراق، وهي مناطق صحراوية قاحلة، فلماذا يجري تدريب القوات الخاصة السعودية في مناطق جبلية وعرة للغاية؟ الجواب هو أن المناطق التي جرت التدريبات فيها هي الأقرب في تضاريسها إلى المناطق الجبلية في جنوب السعودية وشمال اليمن. التدريبات كانت استعداداً لهذه الحرب.
ما يلي مرحلة حشد القوات وتدريبها للمشاركة في العمل العسكري هو تحضير قوائم الأهداف العسكرية، التي سيجري استهدافها داخل اليمن، ومتى يتم الانتقال من العملية الجوية إلى العملية البرية. ما فات كثيراً من المراقبين هو ملاحظة التناقض في كلام السعودية التي تذرعت بأن العملية العسكرية قد انطلقت لأن الحوثيين قد تجاهلوا «تحذيرات السعودية لهم بعدم الدخول إلى مدينة عدن». فالحجة السعودية هي أنها تدخلت لتنقذ «الحكومة الشرعية» التي لجأ رئيسها، منصور هادي، إلى عدن، في الجنوب. ولكن لو كان التدخل العسكري يهدف إلى هذا فعلاً، فلماذا تركزت الضربات الجوية، بشكل رئيسي، على صنعاء ومعاقل الحوثيين في الشمال ولم تحصل عمليات تستهدف القوات المتقدمة إلى عدن؟ التفسير المنطقي هو أن العملية إنما انطلقت لتستهدف مواقع محددة مسبقاً، منذ فترة طويلة، ولا علاقة لها بالمستجدات الميدانية في عدن، في الأيام الأخيرة. قوائم الأهداف العسكرية، بحسب ما ظهر حتى الآن، تشمل مواقع الدفاع الجوي، القواعد الجوية العسكرية، بما في ذلك ملاجئ الطائرات المقاتلة والمروحية ومدرجات الطيران، مواقع تخزين الصواريخ البالستية، ومستودعات الذخيرة عموماً.
تهدف العمليات الجوية إلى حرمان الخصم كامل القدرات العسكرية قبل بدء أي عمليات برية

نطاق العمليات يذكرنا بعملية «عاصفة الصحراء» ضد العراق 1991، أو عملية «السندان النبيل» ضد صربيا 1999. تهدف مثل هذه العمليات الجوية إلى حرمان الخصم كامل القدرات العسكرية قبل أن تبدأ أي عمليات برية، إذا ما دعت الضرورة لذلك. بحسب ما ظهر، فقد انطلقت الطائرات السعودية من طراز F-15 ومن طراز «تايفون»، شبه الخفية، لضرب مواقع الدفاع الجوي أولاً، وذلك من ارتفاعات شاهقة ومسافات بعيدة، ممهدة الطريق للطائرات الأخرى لضرب باقي المواقع العسكرية. تحديد جميع المواقع العسكرية، وخاصة مواقع الدفاع الجوي، في بلد تزيد مساحته على نصف مليون كيلومتر مربع، هو عملية معقدة للغاية ولا بد أنها استغرقت أسابيع طويلة من العمل المخابراتي، وقد يكون هناك على الأرض من لا يزال يعمل، حتى الآن، على توفير إحداثيات المواقع الجديدة، ولا سيما لمواقع الدفاع الجوي المتحركة. يضاف إلى ذلك أن نجاح العملية العسكرية يتطلب اطباق الحصار البحري على السواحل البحرية لليمن، التي يزيد طولها على 2500 كيلومتر، وهذا يتطلب عدداً كبيراً من السفن التي لابد أنها انطلقت باتجاه اليمن قبل عدة أيام من بدء العملية العسكرية.
جمع المعلومات حول مواقع الأهداف ووضع مخطط لمراحل الاستهداف، بحسب الأولويات، ليس سوى الخطوة الأولى. فالخطوة التالية هي توزيع المسؤوليات بين القوات الجوية للدول المشاركة، وتنسيق التحضيرات والحالة الفنية للأسلحة والطواقم، والمعلومات المخابراتية والاحتياجات اللوجستية، وما شابه، أي كل ما يندرج تحت مسمى القيادة والسيطرة. من الجدير بالذكر أن جميع العمليات المشابهة لعملية عاصفة الحزم، والتي جرت خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، كانت بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي قد تكون الجهة الوحيدة القادرة على تنظيم عملية عسكرية معقدة وواسعة بمثل هذه الدقة. ولعل إحدى النقاط التي ضمنت سرية التحضير والتنفيذ، طوال الشهور الماضية، هي أنه لم يكن هناك سوى طرف واحد يمسك بخيوط العملية ويحتكر المعلومات الدقيقة حول الأهداف والأدوار المسندة إلى كل من الأطراف المشاركة، التي ربما كانت مسؤوليتها فقط أن تحشد قواتها في المواقع المحددة وتنتظر الأوامر.
ما إن انطلقت العملية العسكرية، التي كانت مفاجئة للرأي العام، حتى اهتزت أسواق النفط في العالم وأسواق الأسهم في دول الخليج. فقد ارتفعت أسعار النفط في اليوم الأول بنحو ستة دولارات. وهذا رد فعل متوقع وطبيعي لانطلاق عمليات عسكرية في منطقة استراتيجية يمر عبرها يومياً ملايين براميل النفط وملايين الأطنان من الشحنات التجارية. أما ما كان غير متوقع وغير طبيعي، فهو عودة أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل انطلاق الأعمال العسكرية. وهذا له تفسير واحد، هو تدخل السعودية في أسواق النفط لمنع ارتفاع الأسعار. وهنا قد يكون من الضروري أن نعيد النظر في تفسيراتنا للهبوط الصاروخي لأسعار النفط العالمية في الصيف الماضي. فأسعار النفط لم تهبط إلى ما دون المئة دولار للبرميل الواحد إلا بعد أن استولى الحوثيون على صنعاء في شهر آب الماضي، منذ ثمانية أشهر تقريباً. ولم يحصل هذا بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، على سبيل المثال. وكان واضحاً أن أسباب انخفاض أسعار النفط، واستمرارها بذلك، يعود إلى اغراق الأسواق العالمية بما يزيد على حاجته من النفط. وإذا ما أخذنا أسعار النفط كمؤشر على العملية العسكرية، يمكننا أن نتوقع أن العملية العسكرية ستستمر لفترة طويلة. ولو كانت العملية قصيرة الأمد لتركت السعودية برميل النفط يحتفظ بسعره الجديد، أو لتركته يرتفع، لتستفيد من المكاسب اللاحقة في تعويض تكاليف الحرب. ولكنها فضلت أن تضبط السعر وتعيده إلى حدود 50 دولاراً وكأن المطلوب هو الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية حتى إذا ما اغلق مضيق باب المندب واضطرت شركات نقل النفط البحري إلى سلوك الطريق البديل الأطول، حول «رأس الرجاء الصالح»، في جنوب أفريقيا، للوصول إلى أوروبا، فإن الزيادة في تكلفة نقل النفط لن تترافق بزيادة في أسعار النفط وتبقى الأسعار النهائية مقبولة ولا تضر بالمستوردين الكبار، ولا سيما في الغرب وفي جنوب شرق آسيا.
أخيراً، يمكننا أن نرجح أن هذه العملية العسكرية الكبيرة، التي تم التحضير لها على امتداد شهور طويلة ستكون عملية طويلة الأمد ومن المرجح أن تشمل عمليات برية أيضاً. هذا قد يكون مناقضاً لما حاول بعض المحللين تصويره من أن العملية هي مجرد مناورة تهدف إلى استدراج إيران إلى الرد العسكري، وبالتالي تقويض المفاوضات النووية، التي مضت غير متأثرة. من يستذكر مسار الصراعات العسكرية في العقود الماضية، يجب أن يلاحظ أن أي محاولة توريط أو استدراج طرف ما إلى الحرب تعتمد على رفع وتيرة التهديدات الكلامية والتلويح بالتحضيرات العسكرية، لفترة غير قصيرة قبل انطلاق العمليات العسكرية، على نحو ما فعلت إسرائيل مع العرب في حرب 1967 أو في غزو لبنان 1982. أما العمليات العسكرية التي تهدف إلى إنجاز أهداف عسكرية فعلية فتعتمد، بشكل رئيسي، على عامل السرية خلال التحضير وعلى عامل المباغتة عند البدء بالتنفيذ، على نحو ما فعلت سورية ومصر في حرب 1973. إذا ما قارنا عاصفة الحزم بتلك الحروب، فسنجد أنها تشابه حرب 1973، من حيث الحرص على السرية والمباغتة. هي حرب بكل تأكيد وليست محاولة لاستدراج رد من إيران. بالعكس تماماً. يبدو وكأن العملية تعتمد في نجاحها وانتقالها إلى المرحلة التالية على عدم حصول ما يعرقلها أو يحرفها عن مسارها. الحوثيون مستعدون بالطبع للحرب البرية، ولذلك ستطول الحرب الجوية لتدمير القدرات العسكرية الثقيلة للحوثيين، من ناحية، ولإضعاف الروح المعنوية للمدافعين قبل أن تبدأ العمليات البرية، إن دعت الحاجة لذلك.