حيفا ــ فراس خطيب


بعد الإخفاق العسكري الإسرائيلي في مارون الراس، بدا جيش الاحتلال منهكاً. خلافات القيادات العسكرية الداخلية تفاقمت، وعدم الثقة بين قيادات الجيش تعزّز، ما دفع برئيس الأركان السابق دان حالوتس إلى تقرير خوض حرب على الرموز، والسيطرة على بنت جبيل، التي اعتبرها «رمزاً لحزب الله». لكن بدل أن تكون بنت جبيل رمزاً «للانتصار الإسرائيلي» باتت رمزاً للفشل الإسرائيلي في «حرب لبنان الثانية»


نشر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «معاريف»، عامير رابابورت، الحلقة الثانية من سلسلة تقارير عسكرية أعدَّها لمناسبة مرور عام على العدوان على لبنان، تحت عنوان «إخفاق القيادة، تحطم الرؤية وبطولة المقاتلين». وبعدما سلّط الضوء الأسبوع الماضي على الإخفاقات العسكرية الإسرائيلية في معركة مارون الراس، خصّص حلقة أمس لمعركة الجيش الإسرائيلي الفاشلة للسيطرة على مدينة بنت جبيل.
وبدأ رابابورت حلقته الثانية بالإشارة إلى أنه في الرابع والعشرين من تموز، وصل قائد هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس إلى مقر القيادة العسكرية الشمالية، ليقول إنَّ «الحروب الحديثة» هي «حروب على الرموز. وبنت جبيل رمز».
وأشار حالوتس إلى أنّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن «نصر الله، ألقى خطاب بيت العنكبوت في بنت جبيل»، مضيفاً أن وظيفة الجيش الإسرائيلي اليوم «أن نريهم بأننا نضرب كل هذا المكان (الرمز)».
ورأى رابابورت أنَّ تصريحات حالوتس أظهرت «قلة فهم»، موضحاً أنَّ «إسرائيل نظرت إلى بنت جبيل باعتبارها رمزاً، لكنّها بالنسبة إلى حزب الله، كانت مدينة يجب العمل منها بطريقة حرب العصابات عن طريق منح العدو إمكانية الدخول وضربه».
وأشار رابابورت إلى أنَّ احتلال المكان الذي ألقى به نصر الله خطابه، لن يساعد في التخفيف من حدة قصف الكاتيوشا باتجاه إسرائيل، موضحاً أنّ «خطاب بيت العنكبوت، أثار جنون هيئة أركان الجيش الإسرائيلي». وأضاف أنَّ الجنرالات «كانوا مصرّين على محو الإهانة».
ورأى رابابورت أن «الحلم المبتغى كان أن يأخذ حالوتس (إيهود) أولمرت و(عامير) بيرتس إلى النقطة التي تحدث منها نصر الله، لكي يلقيا خطاب الانتصار خاصتهما»، إلا أنَّ هذا الحلم «لم يتحقق»، حيث تحولت بنت جبيل الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية إلى «رمز للفشل».
«مكان شيعي ويجب القضاء عليه»
كان قائد القوات البرية في الجيش الإسرائيلي بيني غينتس، أول من طرح فكرة احتلال بنت جبيل في اليوم الرابع للحرب، مشدّداً على أن «خطاب الانتصار الذي ألقاه نصر الله كان في بنت جبيل». وأضاف ان «هذا المكان (بنت جبيل) مكان شيعي ويجب القضاء عليه».
استعمل غينتس، في جلسات أخرى، «تشبيهاً موسيقياً» في حديثه، فاقترح «بيانو هجومياً»، موضحاً «نأخذ منطقة محددة، وننهيها، وفي كل مرة منطقة أخرى. ممنوع أن يكون كل هذا في مكان واحد». كان تشبيه غينتس الموسيقي يتطرق إلى «الأصابع التي تتحرك على البيانو من مكان إلى آخر على الأزرار».
سمع قائد المنطقة الشمالية أودي آدم عن فكرة احتلال بنت جبيل في مقر القيادة الشمالية في الثامن عشر من تموز 2007. قال آدم إنَّ بنت جبيل «هي مكان معقول لمهاجمته ولكن ليس لاحتلاله احتلالاً كاملاً».
وأضاف «يعيش في بنت جبيل اليوم 40 ألف إنسان، وهناك 12 ألف بيت. احتلال بنت جبيل مثل احتلال حولون (مدينة إسرائيلية)»، مقترحاً إمكانية «أن نسيطر على مساحات، وأن نقتل عرباً ونعود لاحتلال بنت جبيل من ناحية مارون الراس»، وأوضح أنَّ مارون الراس تقع على ارتفاع 917 متراً، وبنت جبيل على ارتفاع 600 م «ومن أجل السيطرة عليها (بنت جبيل) فلا حاجة لأن نكون داخلها».
هوة عميقة
أشار رابابورت إلى أنَّه في تلك المرحلة كانت هناك «هوة عميقة» لا يمكن تسويتها بين قيادة الجيش في صفد (الشمالية) وبين القيادة في الكرياة في تل أبيب (القيادة العامة). ورغم أن أودي آدم كان المسؤول عن القتال في المنطقة الشمالية، «إلا أنه لم يكن شريكاً في المشاورات في مقر هيئة الأركان، وخصوصاً بعدما احتد النقاش بينه وبين حالوتس في مكالمات الفيديو في بداية الحرب، إلى حد الصراخ، وتقرر في تل أبيب (في مقر هيئة الأركان) أن يظهر آدم على شاشة الفيديو، الموجودة في غرفة الجلسات، في الربع ساعة الأخير فقط من كل جلسة تشاورية من أجل تقديم عرض للوضع في الشمال» ليس أكثر.
وأوضح رابابورت أن هيئة الأركان «لم تمنح متسعاً للتنفس لآدم واتخاذ القرارات حسب رؤيته، ومن ناحية أخرى، رأت هيئة الأركان بآدم إنساناً متردداً ولا يفي بالغرض». وأشار إلى اختلاف الرؤى بين قيادة الجيش الإسرائيلي، وخصوصاً بعدما رفض حالوتس تنفيذ خطتين أعدّتا قبل حرب لبنان الثانية. اشتملت الخطتان على احتلال مساحات في جنوب لبنان. كان قد أعدّهما نائب قائد المنطقة الشمالية ايال بن رؤوبين. وبعد رفض حالوتس لهما، بدأ رؤوبين العمل على خطة أخف وطأة ضمت حملات محددة تقع على بعد كيلومترات معدودة من الحدود الشمالية.
في لقاء آخر مع قيادة الجيش في الشمال، جمع حالوتس عدداً من هيئة الأركان، منهم نائبه موشيه كابلينسكي، والجنرال غينتس. كان هدف اللقاء الأساسي هو المصادقة على الحملات التي أعدَّتها قيادة المنطقة الشمالية، ونيل الضوء الأخضر لتنفيذها في بنت جبيل، وهي الخطة الجديدة التي أعدها رؤوبين.
لم يحب رئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي (قائد المنطقة الشمالية حالياً) غادي ايزينكوت فكرة إرسال لواء جولاني إلى الطيبة والمظليين إلى بنت جبيل، حسبما جاء في خطة رؤوبين. وقال إن حزب الله «مستعد ومنتظر لنا في بنت جبيل»، مقترحاً أماكن أخرى للسيطرة عليها، موضحاً أنه في حال كانت بنت جبيل هي الهدف فيجب «تركيز الجهود كلها لبنت جبيل. يجب ضربها من الجو، ومن بعدها مهاجمتها عن طريق لواءين».
حالوتس يقرر
في النهاية، وجه حالوتس كلامه إلى أودى آدم قائلاً «اسمعني جيداً، انتهى الحديث، هل ترى الخط الواقع شمال بنت جبيل؟». وأشار حالوتس بقلمه إلى التلال عند بنت جبيل (سيلفستر) ليتابع «أنت ستعمل على تركيز مجهود الألوية من أجل الوصول إلى هناك»، مشدداً على أن «هذا لا نقاش عليه». وخرج من الغرفة.
كان الإحباط واضحاً على آدم. في ذلك الوقت، كان قائد فرقة 91 غال هيرش سعيداً. وحسبما قال حالوتس، فإن لواء جولاني سينتقل من قيادة فرقة 162 إلى فرقة هيرش. ومعاً، مع وحدة المظليين ومساندة الدبابات، يتم تركيز الجهود نحو بنت جبيل «كما أراد هيرش».
سارع هيرش في إصدار الأوامر من أجل احتلال بنت جبيل حسبما فهمه من هيئة الأركان، إلى أن وصلت أوامر أخرى، وهي «محاصرة» المدينة، ومن بعدها «السيطرة» عليها. كان هذا «التغيير البسيط» كفيلاً لقيام قادة القوات الصغار في البدء من جديد في برمجة المهمة. تساءلوا ما إذا كان «ضباط هيئة الأركان يعرفون ما يريدون».
تمت برمجة العملية في بنت جبيل على أن تبدأ في الليلة الواقعة بين الاثنين والثلاثاء في الأسبوع الثالث للحرب، لكن تقرر تبكيرها على اعتبار أن المظليين سيطروا على الأمور نهاية الأسبوع على مارون الراس. وقد كان هناك تخوف من زيارة كوندوليزا رايس إلى المنطقة، التي ستدوم أسبوعاً. وقد خشي الجيش من قيام رايس بإيقافه قبل إتمام مهماته.
منحت قيادة الجيش لعملية بنت جبيل كتيبتي 101 و890، التي كانت ستصل من عملية في الخليل. كذلك كتيبة أخرى «امتازت في مارون الراس». كما جاءت كتيبة جولاني 52 ووحدة «إيغوز» ليشكلوا معاً فرقة واحدة.
وأشار رابابورت إلى أن المقاتلين في لواء 51، الذي كان في غزة، تلقوا أوامر للعمل في لبنان. وانتقلوا بعدها إلى المنطقة الشمالية. وأجروا تدريبات قصيرة. وتابع ان هؤلاء الجنود «لم يسمعوا عن لبنان إلا بالقصص»، وفي يوم الأحد صباحاً، استعدوا. وصل إليهم اليكس شفارتسمان، قائد الوحدة «ج»، لتفقدهم، لكنه «لم يعرف أن ساعة الموت تقترب منه».
كذب في جلسة الحكومة
عقدت الحكومة الإسرائيلية جلستها الأسبوعية صبيحة الأحد. كان كابلنسكي هو ممثل الجيش فيها وقد شرح للوزراء عن عملية بنت جبيل. وأشار رابابورت إلى أن كابلنسكي «لم يكن مقنعاً، إذ قال إن الهدف هو «الدخول وضرب البنى التحتية والخروج»، وخصوصاً أنه هو من دفع إلى ضم كتيبة غولاني ولواء 7 إلى عملية بنت جبيل المشرفة على البداية في الليلة نفسها.
سأل وزير الداخلية روني بار أون ما إذا كان الجيش ينوي الدخول الى القرى، فرد عليه كابلنسكي «لن ندخل إلى أي قرية، ولا ننوي أيضاً». في ذلك الوقت كانت الفرق تستعد للسيطرة على بنت جبيل. وأظهر رابابورت أن التناقض في حديث كابلنسكي يكمن في أنه في المرحلة الأولى كانت القوات الإسرائيلية مشغولة بالسيطرة على المنطقة وليس الدخول الى قلب بنت جبيل.
وأشار رابابورت إلى أن كابلنسكي لم يقل الحقيقة كاملة. والجيش الإسرائيلي خاف من أن يسرب الوزراء المعلومات. في ذلك الوقت، وصل آدم وهيرش الى معسكر «شارغا» في نهاريا من أجل المصادقة نهائياً على العملية. وقال آدم في ذلك اللقاء «يجب أن يكون الاستعداد لاحتلال بنت جبيل مثل الاستعداد لاحتلال برلين».
المعركة
في الساعة التاسعة ليلاً، بدأت وحدة «ج» طريقها نحو لبنان. وقد استطاعت كتيبة 890 أن تجري تدريبات في طريقها من الخليل. وفي نهاية التدريب، تعطلت حافلات فرق المظليين في هضبة دالتون وهم في طريقهم الى المعسكر. كانت الخطة للسيطرة على بنت جبيل تسير اعتماداً على قدوم لواء غولاني من الشرق وفرقة المظليين من الغرب. لكن هذا لم يتم نظراً لأن الفرق لم تكن جاهزة. كان واضحاً منذ البداية أن الجبهة الشمالية في بنت جبيل ستظل مفتوحة لحركة رجال حزب الله.
في فجر يوم الاثنين. تمركز الجنود من الوحدة الجاهزة التي دخلت إلى لبنان على مشارف بنت جبيل، بمرافقة المدرعات والطائرات. انتشر جنود الكتيبة في ثلاثة بيوت هناك، وناموا من التعب. ما عدا الحراس.
كان قائد الكتيبة، المتواجد في كيبوتس إسرائيلي، متوتراً. وبعد وقت قصير من دخول مقاتلي الكتيبة الى لبنان، تبيّن أن الاتصالات مع المقاتلين انقطعت بسبب خلل فني. وأجبر على التنقل إلى مكان للتحدث معهم عن طريق الهاتف السري.
أصيب ضابط فرقة «إيغوز» المتواجدة على أعتاب بنت جبيل مع فرقة غولاني، برصاص قناص. تقدّم جنود غولاني باتجاه البيت حيث تواجد الجريح. وقامت قوة جوية إسرائيلية بتوجيه ضربة لهم بالخطأ، ما أدى الى جرح خمسة منهم من نيران اسرائيلية. وصار عدد الجرحى ستة. دخلت دبابة اسعاف الى المنطقة لتخليص الجرحى، ودخلت ايضاً دبابة «ميركافا 4» من كتيبة 52. وعلى مقربة من بنت جبيل، أصيبت الدبابة بضربة مباشرة من حزب الله وقتل جندي، ووصل العقيد جاي كيبلي إلى الدبابة المصابة بدبابة أخرى.
في الطريق الى هناك، داست دبابة كيبلي، وعلى متنها سبعة جنود، عبوة ناسفة تزن مئات الكيلوغرامات، وانقلبت الدبابة. وأصيب كيبلي بجراح متوسطة.
حاول الجنود التقدم مترجلين، إلا أن صاروخاً من طراز «ساغر» وجّه إليهم. في نهاية الأمر، أنقذ المصابون، الذين حاولوا التقدم تحت غطاء قنابل الدخان التي أطلقها الجيش الإسرائيلي. واستدعي من بعدها قائد الكتيبة تساحي سيغف من أجل قيادة اللواء ثانية.
قادة المظليين في مارون الراس خرجوا متأخرين. وعندما بدأ المظليون الاستعداد للدخول باتجاه بنت جبيل طل الصباح. وهناك من تاه في الطريق. قائد اللواء مردخاي تقدم مع قواته الى النقطة التي كان عليه الوصول اليها. عندها تلقى رسالة في اللاسلكي تأمره بوقف التقدم. ووصل أمر أيضاً الى فرقة 91 لوقف تقدم المظليين.
القرار اتخذه آدم بالقول «لا نتقدم في النهار». كان هذا ما تعلمه من الإخفاقات في مارون الراس. إلا أن هيرش ذهل واتصل بآدم قائلاً «هذا خطأ فاحش. لا يوجد شيء كهذا. إن الجيش لا يقاتل في النهار». لكن هذا لم يفد. وقرر آدم التوقف.
ووصف قادة غولاني ما جرى في بنت جبيل بأنه مثل كأس بلاستيكية. وأشاروا إلى أن ضرب الكأس البلاستيكية من ناحيتين يدمرها، لكن ضربة واحدة من الجنب تحركها فقط. وأضافوا ان الكأس البلاستيكية (بنت جبيل) ظلت كما هي.