تأسّست «حركة المثنّى الإسلاميّة» في عامٍ طغت عليه سمة تشجيع الانتشار الأفقي للفكر «الجهادي» بوصفه «السلاح الأنجع لإسقاط النظام السوري». وخلافاً لعام 2011 الذي حرص فيه «الداعمون» على تقديم المال والسلاح لكل المجموعات المشكّلة ومع غض النظر عن أفكارها وتوجّهاتها بغية استقطاب مختلف الشرائح وتشجيع الانشقاقات في صفوف الجيش، حيث لم تكن راية «الجهاد» لتشكّل عامل جذبٍ مضمون وقتها. سريعاً كرّت سبحة التشكيلات، كان الجنوب وجهةً أولى لمعظم أجهزة الاستخبارات الحريصة على ضمان حصّة لها في «الكعكة السوريّة» مستقبلاً، وصار الأردن بمثابة «غرفة عمليّات» كبرى. الخبرة الطويلة للأجهزة الأردنية في التعامل مع الفكر «الجهادي» تضافرَت مع رغبات مثلّث الدعم الخليجي (المكوّن من قطر، سلفيّي الكويت، والسعودية). انقسم الدعم الإقليمي إلى قسمين غير متساويين: الأكبر المخصّص لمجموعات قامت منذ إنشائها كي تبقى «فاعلة» وهي المرتكزة على أسس «عقائديّة جهاديّة» (مثل «حركة أحرار الشام»، «جبهة النصرة»، «جيش الإسلام»). أما القسم الأصغر من الدعم فكان مخصّصاً لمجموعات صغيرة تحت شعاراتٍ «ثوريّة». بين العامين نشط «الدعاة» في اجتذاب مسلّحي المجموعات الصغرى للانضواء تحت راية «الجهاديّين» حيناً بفعل «الجاذب الشرعي» وآخر بالاعتماد على «التفوّق الاقتصادي» الذي يعني حصول المقاتل على تجهيزٍ أفضل وراتب أكبر. في ظل هذه الظروف صالت «جبهة النصرة» في درعا وريفها (مع هيمنة للأجهزة الأردنية ومن بعدها القطرية على قادتها) قبلَ أن يبدأ «الصراع الخفي» بين المموّلين، وهو صراع أنتج أوّل الأمر «انقساماتٍ ودية» كانت «المثنّى» واحدة من نتائجها.


الانشقاق عن «النصرة»

في أيّار 2012 وبتمويل سعودي غير معلن بدأ عامر المسالمة (أحد المُفرج عنهم من سجن صيدنايا) استقطاب مقاتلين محليّين (معظمهم كان منضمّاً إلى «النصرة»). ومع أواخر شهر تموز كانت العدّة قد اكتملت لخروج «كتيبة المثنّى بن حارثة قاهر الفرس» إلى العلن. المفارقةُ أنّ معظم «المؤسّسين» كانوا حينها قد انشقّوا عن «النصرة» احتجاجاً على «الغلوّ» الذي انتهجته والذي كان أحد وجوهه السّماح بتنفيذ «عمليات استشهاديّة» داخل المدن ووسط التجمعّات السكانية استناداً إلى «فتوى التتّرس» وفقاً لابن تيميّة. تحوّلت «كتيبة المثنّى» إلى واحدة من أشد المجموعات فاعليّة في محافظة درعا خلال وقت قصير، وحافظت على تنسيق دائم مع «جبهة النصرة» رغم ما قيل في أسباب الانشقاق عنها. كما نسّقت عمليّاتها مع كلّ من «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» و«أكناف بيت المقدس» مدفوعةً بـ«التفوق اللوجيستي لهذه المجموعات».

من «كتيبة» إلى «حركة»

استمرّ الحال حتى آذار 2013، حيث قُتل مؤسّس «المثنّى» في إحدى المعارك وخلفه شقيقه ناجي. بعدها بشهرين أعلنت «المثنّى» تحوّلها من «كتيبة» إلى «حركة». وجاء في ميثاق تشكيلها أنّها «حركة إسلامية إصلاحية شاملة تعمل على بناء مجتمع إسلامي حضاري يُحكم بشرع الله الذي ارتضاه لهم». كانت «المثنّى» تطمحُ لتكونَ «فصيلاً جهاديّاً جامعاً» يضم في صفوفه كل المجموعات المحليّة التي تنتهج «السّلفيّة الجهاديّة من غير غلوّ». تحت هذا العنوان بدأ «الشرعيّون» في احتلال حيّز أساسي من السلطة داخل «الحركة». ومن هذه الزاوية أجادت الأجهزة الأردنيّة التسلّل بعد أن بدا أنّ «المثنّى» مؤهّلةٌ لسحب البساط من تحت «النصرة» في محافظة درعا، أو مشاطرتها الهيمنة على أقل تقدير. على امتداد العامين التاليين شهدت كواليس «الحركة» صراعات خفيّة. كانت تلك الصراعات مستندةً إلى «الولاءات الإقليميّة» ولم تكن بين متبنّي الفكر «الجهادي» وسواهم، فقد كانت «الهويّة الجهاديّة للحركة» أمراً محسوماً لدى الجميع. في هذه التربة الخصبة نسجَ أمنيّو «داعش» علاقاتٍ قويّةً مع أبرز مراكز القوّة داخل «المثنّى»، مستندين في الدرجة الأولى إلى «روح التنافس مع النصرة» والتي كانت حاضرةً منذ التأسيس.

العلاقة مع «الموك»

تسلّمت غرفة عمليّات «الموك» (Military Operation Center) بشكل فعلي إدارة مسرح العمليّات في الجنوب السوري في الربع الأخير من عام 2014. كانت آليّة تقديم الدعم تنصّ على رفع المجموعة الراغبة في تنفيذ «عمليّة» طلباً إلى «الموك» مرفقاً بتفاصيل العمليّة وأهدافها ونوع العتاد والذخيرة المطلوبين... إلخ. ومدفوعةً في الدرجة الأولى بمخاوف إسرائيليّة من انفلات «الجهاديين» عن السيطرة تعاملت الغرفة مع «الحركة» على نحو مماثل لما فعلته مع معظم المجموعات «الجهاديّة» في الجنوب، بحيث يتمّ تقديم الدعم بشكلٍ «محسوب». تمّ التعامل مع «الجهاديين» بوصفهم أداةً فاعلة لكنّها قابلة للتمرّد. لم يُقدّم الدعم بشكل منفرد إلى «المثنّى» ومثيلاتها، بل دُعمت عمليّات «جماعيّة» تشارك فيها معظم المجموعات بإدارة «غرفٍ ميدانيّة مشتركة» وبإشراف «الموك». كانت آخر العمليّات الكبرى التي شاركت فيها «المثنّى» في إطار هذه الآليّة هي معركة بصرى الشام (آذار 2015). بعدَها بأقلّ من شهرين تلقّت معظم المجموعات العاملة في الجنوب أمراً مباشراً من «الموك» بعدم التعامل مع «المثنّى» لأنّها «متطرّفة». وتؤكّد معلوماتٌ متقاطعة حصلت عليها «الأخبار» أنّ قرار استثناء «المثنّى» من العمليات المشتركة كان سابقاً على معركة بصرى، قبل أن ينصح الأردنيّون بـ«عدم استثنائها ما يشكّل هدفاً مزدوجاً عبر الإفادة من عناصرها في المعركة، وإضعاف قوّتها تالياً».

«رفع الغطاء»

بلغت المخاوف الأردنيّة من استفحال المد الجهادي على حدود المملكة أقصاها في عام 2015. رغم ذلك حرص الأردنيّون على عدم استعداء أي مجموعة «جهاديّة» بشكل مباشر، خاصّة في ظل وجود حواضن شعبيّة داخل البلاد. وعملوا بدلاً من ذلك على «تفكيك مكامن القوى القابلة للخروج عن السيطرة». تحت هذا العنوان لعبت الأجهزة الأردنيّة دوراً أساسيّاً في كشف تحالفات «المثنّى» مع «داعش». وجاء ذلك في إطار «خطّة طوارئ» كانت الحرب على «المثنّى» و«لواء شهداء اليرموك» تفصيلاً صغيراً فيها (الخطة ذاتها أدّت إلى إبعاد بعض قيادات «جبهة النصرة» إلى الشّمال السوري أواخر العام الماضي). ومع مطلع العام الحالي تحوّل قرار «رفع الغطاء» إلى معركة مباشرة بدأت نتائجها في الظهور على مسرح الجنوب.