لوحات إعلانية تتناثر في شوارع دمشق توحي بمواعيد يعقدها أبناء المدينة مع الفرح. حفلات غنائية لهذا الفنان أو ذاك تشغل أحاديث سكان المدينة، حول كيفية الحجز والحضور. وكلما زادت نجومية الفنان، ارتفع سعر بطاقة حفله، لتصبح الشغل الشاغل للسوريين بين منتقد لمظاهر الفرح ومؤيد لها. بين المدينة والريف، وأهل الجبل والساحل، تتنوع أمزجة السوريين وآراؤهم حيال الفرح وتكاليفه في زمن الحرب الأغبر الذي قضى على ما جنوه خلال أعمارهم. هالة، الأم الخمسينية التي انتظرت عودة جثمان ابنها الشهيد من ريف حمص الشمالي قبل عامين، لم تمتنع عن إقامة حفل بسيط بمناسبة زواج ابنها الثاني.
تقول أم الشهيد إن ابنها مضى لكي نحتفل ونفرح

وتشرح لـ«الأخبار»: «اختلفت التكاليف عن مرحلة ما قبل الحرب. غير أني رفضت أن تمضي المناسبة بلا احتفال، فالحياة تستمر. ويقول المثل: الحيّ أبقى من الميت. الشهيد مضى لكي نحتفل ونفرح». وتتابع: «لا مشكلة لدي مع الحفلات. منذ أشهر كنتُ أمضي يومياً إلى عملي، وأرى لافتات إعلان حفلة لأحد كبار نجوم سوريا. قيل إن البطاقة بـ 80 ألف ليرة. جميعنا نعرف نوعية الحاضرين في مثل هذه الحفلات، وهم أنفسهم الذين كان بإمكانهم حضور هذا النوع من الحفلات قبل الحرب، عندما لم تكن قيمة البطاقة تتجاوز 10 آلاف». تتخفف المرأة المتألمة من الأحقاد الطبقية التي يكيلها المثقفون والمناضلون ضد الأغنياء طوال الوقت. أقاربها حضروا منذ أيام حفلة لنجم سوري، في منتجع فخم من منتجعات الساحل، وهي تبتسم بلا مبالاة وتعلّق: «عادي، لا أحد يحزن طوال الوقت. النسيان نعمة، وقد فُطر الإنسان على الانجذاب إلى الأشخاص الفرحين».
يستبدل الفقراء فرص الفرح الثمينة المتمثلة بحضور حفلات كبار الفنانين بالذهاب إلى أمسيات فنية في المقاهي الثقافية، أو الحفلات الغنائية لفنانين محليين في المطاعم. يذكر أبو أيمن، صاحب مطعم، أن الإقبال على الحفلات الأسبوعية كبير بسبب جوع الناس إلى الترفيه وتخفيف آلام الحرب. ويضيف: «ليس فقط الأغنياء من يرتادون مطعمي. هناك أيضاً من لا يملكون الكثير من المال، إنما يحاولون الحضور بين الحين والآخر للترويح عن أنفسهم من ضغوط الحياة القاسية بفعل الحرب». كلام يؤيده الفنان السوري خلدون حناوي، الذي يصدح صوته في ليالي العاصمة في مناطق مجاورة لنقاط الاشتباك. في أحد مطاعم باب توما اكتشف الحاضرون إمكانية مواجهة الموت بالموسيقى والرقص والفرح، فكان حضور حفلات حناوي طقساً أسبوعياً بالنسبة إلى الكثير من المقتدرين مادياً. يرى الفنان الشاب في حديث لـ«الأخبار» أن الشعب السوري يحب الحياة والمرح، وهنا يأتي دوره لرسم الأمل في نفوسهم، من خلال تأكيده في اختيار الأغاني، أن سوريا ستعود كما كانت. ردود أفعال الحاضرين تأتي «رائعة وحماسية»، ويتميز هؤلاء بأنهم ليسوا من الأغنياء فقط، بل «لدى بعضهم أقارب شهداء، إنما زادوهم إصراراً على الحياة»، حسب قول حناوي.
الكثير من فقراء سوريا يبدون وعياً خاصاً لأهمية الفرح، حتى إن بعضهم لا يوفر فرصة للفرح بالمضيّ إلى حديقة عامة أو مطعم متواضع، كلما سمحت الأحوال المادية التي تزداد صعوبة يوماً بعد آخر. فيما ينظر البعض الآخر إلى الفرح باعتباره مخجلاً في ظل ظروف البلاد الحالية. النظرة إلى الفرح نسبية، حسب قول الفنان عكرمة محمد، الذي يحيي حفلات دورية في أحد أكبر منتجعات طرطوس، وهو يصنّف الحاضرين بأنهم من «الشباب المتميزين بمستوى مادي مرتفع»، مشيراً إلى أن «الحاجة إلى الفرح أضحت ملحّة». ويشرح ردود أفعال الناس في التفاعل مع الأغاني، بقوله: «الأزمة المتواصلة جعلت بداخل كل منا تاريخاً من الأحداث الحزينة. يترجم البعض ذلك من خلال التفاعل مع أغنية تلامس داخله. البعض يبكون، وآخرون يبتسمون، والبعض يتفاعلون بالرقص من شدة الحاجة إلى الفرح». ويبحث الفنان الشاب عن أي فرصة للغناء أمام الفقراء «الطيبين»، حسب وصفه، إذ يأتي تفاعلهم حقيقياً باعتبارهم أصحاب النضال والوجع. ويصرّ على ضرورة استيعاب فكرة الفرح في ظل الحرب، احتراماً لاستمرار الحياة، لا استهزاءً بآلام الحرب. وفي ظل استمرار الحرب وتأقلم السوريين مع متطلباتها، لم يتوقف سكان العاصمة عن السهر والرقص والغناء والإصرار على أن على أرضهم «ما يستحق الحياة»، وهو ما يثير استغراب زوار المدينة ممن تعوّدوا متابعة أخبارها التي تحتل واجهات المآسي السياسية في العالم.