على مدى أكثر من عام من الحرب على اليمن، أدارت السعودية في الظلّ حرباً موازية، بواسطة دبلوماسيتها وتأثيرها على القرار الدولي. فقد شهدت أروقة مجلس الأمن جهوداً سعودية مكثفة، بمساندة دعم الدول الكبرى والحلفاء العرب، بغرض منع أي قرار ترى فيه الرياض ضرراً بموقعها في هذا الصراع أو فائدةً ما على عدوّها.

مجلة «فورين بوليسي» الأميركية نشرت تقريراً مطوّلاً عن كواليس الدور السعودي في مجلس الأمن، حيث تجنّد دبلوماسيون سعوديون وآخرون من دول حليفة لإنقاذ الرياض من احتمال صدور أي قرار يدين ممارساتها في اليمن.
وقال التقرير إن السعودية، بالرغم من أنها لا تمتلك هي ولا حلفاؤها الخليجيون مقعداً في مجلس الأمن، استخدمت نفوذها الدبلوماسي ببراعة كقوة عظمى، ما مكّنها من تشكيل الاستراتيجية الدبلوماسية لمجلس الأمن إزاء اليمن، واستطاعت قمع تدقيقه في انتهاكات حملتها الجوية. ونجحت المملكة، عبر حلفائها العسكريين، لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر، في إيقاف أي تدابير تكبح من سلوكها العسكري أو تضيء على الكلفة الانسانية لهذا الصراع.
استطاعت الرياض إذاً وأد أي قرار بشأن انتهاكاتها في اليمن، بعد احتواء كل نقاشٍ عن وضعيتها في هذه الحرب. ونقلت المجلة عن نائب مدير شؤون مجلس الأمن في منظمة «هيومن رايتس ووتش» قوله إن «السعوديين قادرون على احتواء النقاش حول اليمن، حتى وإن لم يكونوا داخل الغرفة». وهم قادرون على الحفاظ على المقاربة نفسها لمجلس الأمن حول الوضع في اليمن، خصوصاً المتعلّقة بانتهاكاتهم التي صمت المجلس بشأنها.
وتشير المجلة إلى أن مقاربة مجلس الأمن للوضع اليمني تتعارض بحدّة مع مقاربته للأزمة السورية، إذ إن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والعرب رعوا قرارات تطالب الحكومة السورية والمتمردين بتسهيل وصول عمال الإغاثة، كذلك دفعت واشنطن وحلفاؤها باتجاه تحقيق دولي في «الأعمال الوحشية» الحاصلة في سوريا.

السعوديون قادرون على احتواء النقاش حتى وإن لم يكونوا داخل الغرفة

في المقابل، واجهت مطالبة نيوزيلاندا مجلس الأمن بتبنّي قرار يطالب بوصول عمال إغاثة إلى اليمن، مقاومة شرسة. فتجاهل السفير السعودي في الأمم المتحدة عبدالله المعلمي علناً المقترح، واصفاً إياه بـ«غير الضروري». كذلك، ساهمت مصر في تعليق المبادرة، أما بريطانيا التي دعمت في الأساس مبادرة نيوزيلاندا، فقد عدلت عن موقفها لاحقاً، ما أدى إلى تأجيل اتخاذ القرار.
إلا أن الرياض وحلفاءها الخليجيين، بعد فترة قصيرة من دخول الحرب، طلبوا من مجلس الأمن قراراً يدعم مطالبتهم الحوثيين بتسليم السلاح والاعتراف بحكومة عبد ربه منصور هادي. القرار الذي حمل رقم 2216 وأصبح منذ ذلك الحين نقطة الخلاف الرئيسية في المحادثات السياسية بين طرفي النزاع، كتب مسودته دبلوماسيون سعوديون وخليجيون، وقدّمه الأردن إلى المجلس، ثم تبنّته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
كذلك، أعطى التقرير مثلاً آخر عن نجاح الرياض في إيقاف الجهود التي قامت بها الأمم المتحدة للتدقيق في الانتهاكات خلال الحرب، حين منعت السعودية والبحرين وقطر والإمارات محاولة هولندا إطلاق تحقيق لمجلس حقوق الانسان في انتهاكات القانون الانساني من قبل طرفي الصراع. وكما في حالة نيوزيلاندا، وقفت بريطانيا في البداية إلى جانب هولندا في جنيف، إلا أنها حثّت لاحقاً، مع الولايات المتحدة، أمستردام على دعم تحقيق يدعمه الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي ودول الخليج عوضاً عن تحقيق مجلس حقوق الانسان.
وتشير مجلة «فورين بوليسي» أيضاً إلى إفشال واشنطن وعمّان مبادرة تنص على إرسال مبعوث من مجلس الأمن لمقابلة ممثلين عن المتحاربين في اليمن، في تشرين الأول الماضي.
وفي سياق متصل، قال التقرير إن التحقيقات التي حصلت خلال الحرب اليمنية كانت موجّهة ضد أعداء السعودية. وحين بحثت لجنة خبراء في بعض انتهاكات التحالف الذي تقوده السعودية، أثار الأمر غضب دول الخليج التي قال دبلوماسيوها إن اللجنة لا تمتلك سلطة للتدقيق في سلوك التحالف. أما سفير السعودية في مجلس الأمن فقد اعتبر اللجنة «غير مؤهلة» لتقديم تقييم دقيق لسلوك التحالف.
وأشار التقرير إلى أن اثنين من أعضاء لجنة التحقيق، فرجينيا هيل ولوسي ماتيسون، تنحّتا عن العمل في اللجنة بعد الشعور بأنهما «ممنوعتان من الحديث عن اعتداءات التحالف». واعترضت المتخصّصتان في الشأن اليمني على المعايير المزدوجة تجاه الأدلة المطلوبة لتسجيل الانتهاكات. فإذا كان الحوثيون هم من ارتكبوا التجاوزات، يتطلب التبليغ عنها صرامة أقل منه بحال ارتكابها من قبل «التحالف» الذي يطالب بإبراز «دليل من الأرض» على ذلك.
إلى ذلك، أكد التقرير أن بريطانيا وقفت في وجه نتائج لجنة الخبراء التي أثبتت استخدام التحالف قنابل عنقودية، مسنودةً بالصور والاحداثيات وفيديو يظهر استخدام ذخائر عنقودية أميركية وبرازيلية الصنع. وتصدّى دبلوماسيون بريطانيون في نيويورك أيضاً لخلاصة اللجنة بأن منع التحالف سفناً تجارية من الوصول إلى الموانئ اليمنية يصل إلى حدّ الحصار البحري.
(الأخبار)