حيفا ــ فراس خطيب


عمليات استجلاب المستوطنين اليهود من كل أرجاء العالم، لم تخدم هدف تأكيد «يهودية الدولة»، بقدر ما أحدثت حالة هجينة في مجتمع غير متآلف، كان أساساً لانتشار حال من الشرذمة والفوضى، وخصوصاً من الأقليات التي لم تنجح في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي

  • عـــدم القـــدرة على الاندمـــاج يرفـــع منســـوب القتـــل والسرقـــة والمخــدرات والدعـــارة


  • منذ بداية تأسيس «الدولة» عام 1948، وحتى ما قبل ذلك، شجّعت إسرائيل الهجرة «إلى وطن اليهود». لكنّ المهاجرين الجدد، وخصوصاً من إثيوبيا والاتحاد السوفياتي السابق، تحوّلوا إلى «ضحايا لعملية استيعاب فاشلة، أدّت إلى أوضاع مزرية في صفوف الشباب من الفئات المهاجرة. أفراد عصابات من الشبيبتين الإثيوبية والروسية، يتجولون مدججين بالسكاكين ويتورطون في عمليات سرقة وإجرام في الشوارع». فتيات لم يتجاوزن السادسة عشرة يبعن أجسادهن في مقابل «بنطلون جينز وعطر». وتبيّن من المعطيات الأخيرة أنّ نسبة جرائم شبيبة المهاجرين الجدد، تساوي أكثر من ثلاثة أضعاف نسبتهم في التعداد السكاني العام؛ تسرّب من المدرسة، ونسبة انتحار مرتفعة و«عدم ثقة بالدولة ومؤسساتها»، ولوم داخلي، وصراعات عائلية لا تنتهي.
    ثلاثة أضعاف المجرمين
    في تحقيق كبير أعدّته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تبين أنّه في إسرائيل يعيش 240 ألفاً من المهاجرين الجدد تحت سن السابعة عشرة، يشكّلون نسبة 10.6 في المئة من الشبيبة اليهودية في الدولة العبرية. وتظهر من معطيات لعام 2006، أنّ 36.9 في المئة من الشبيبة تحت سن الثامنة عشرة والمشتبه فيهم بمخالفات إجرامية واستعمال للمخدرات والكحول والعنف والتحرشات الجنسية، هم من المهاجرين الجدد. وبطبيعة الحال، فإنّ ثلث السجناء من أبناء الشبيبة تحت سن الثامنة عشرة في السجون الإسرائيلية، هم من شبيبة المهاجرين الجدد. وأشارت «يديعوت» إلى أنّ المشكلة تكمن في «الاستيعاب الإسرائيلي الفاشل للمهاجرين»، حسبما تجمع غالبية الاختصاصيين.
    لا يربط المهاجرين من إثيوبيا مع المهاجرين من روسيا شيء. لكل فئة ما يميزها من نهج حياة وارتباط بالرقعة المسماة اسرائيل. الحضارات مختلفة، والثقافات مختلفة والمناخات أيضاً. لكنّ الإجرام جمعهم في إسرائيل، ليس في عصابة أو مجموعة واحدة، لكن في طريق ورؤية واحدة. ويشير التحقيق إلى أنّ الإجرام آخذ في التفاقم، ربما يومياً، وهو أمر معروف للشرطة ومؤسسات الرفاه الاجتماعي. لكنّ أياً من المؤسسات لم تعرض حلولاً حتى الساعة. غالبية المتورطين في الإجرام من شبيبة المهاجرين محبطون و«يشعرون بعدم انتماء لإسرائيل، وأحياناً بعداء لها».
    أحياء مغلقة
    عصابات الشبيبة الإثيوبية الأصل تتمركز في أماكن سكناهم، في أحياء الفقر، ويحذّر أفرادها الغرباء من دخول الحي. حتى سائقي سيارات الأجرة، يرفضون دخول الحي الواقع تحت سيطرة «عصابات الإثيوبيين»، ويجبرون الركاب على النزول عند مشارفه.
    أما في ما يتعلق بالعصابات الروسية، فالمبدأ هو نفسه. لكنّ عصابات الشبيبة الروسية تقسم نفسها بحسب الطابع العرقي، وعلى هذا توجد صراعات دائمة؛ عصابات روسية وقوقازية ومن غير اليهود تتناحر في ما بينها حول السلطة على بيع الكحول والمخدرات و«غاز الضحك» (نوع من المخدرات على شكل غاز؛ إدخاله إلى الرئتين يثير حالة مستديمة من الضحك؛ وهو منتشر في إسرائيل).
    هذه الجرائم عادة ما تؤدي في نهاية المطاف الى سجن «أوفك»، المخصص لهذا الغرض، لعلاج ظاهرة الإجرام في صفوف «الشبيبة الإسرائيلية»، ممّن لم يتجاوزوا سن الثامنة عشرة على اختلاف انتماءاتهم.
    ويشير اختصاصيون في السجن إلى أنّ أحد الأمور البارزة في هذا السجن الكبير هو «الفجوة بين السجناء من أصل إثيوبي والسجناء من روسيا». وتعاني الشبيبة الإثيوبية، حسب مسؤولة السجن، من «قلّة الاتصال مع الآخرين»، واصفة حالتهم بأنها «انغلاق على النفس». يعود هذا إلى عدم تمكنهم الجيد من اللغة العبرية، وشعور بالنقص بسبب لون بشرتهم الأسود، وشكوك مستديمة حول كل القضايا، وشعورهم بعدم الانتماء إلى المؤسسة، ما يؤدّي في كثير من الحالات إلى العنف، وخصوصاً إلى طعنات سكين وتشويهات في الوجه.
    في المقابل، من المعروف أنّ الشبيبة المهاجرين من روسيا هم أكثر عنفاً خارج السجن، لكنّهم يلتزمون داخله بالقوانين أكثر من الإثيوبيين.
    ويكشف تقرير «يديعوت أحرونوت» أيضاً عن ظاهرة خطيرة في صفوف الإثيوبيين والروس. فتيات من أصل إثيوبي وقوقازي، لا تتجاوز أعمارهن الـ 13و14 عاماً، يبعن أجسادهن في مقابل مبلغ زهيد من المال لشبان يكبرونهم سناً، وخصوصاً في المناطق الفقيرة في جنوب إسرائيل. وتمّ الكشف أخيراً، في أعقاب الظاهرة، عن الكثير من عمليات القتل والاغتصاب. وتقيم الفتيات، بحسب التقرير، علاقات غرامية مع شبان من «أبناء الأقليات» (فلسطينيي 48) في مقابل السهر والمصروف والملابس.
    وتقول إحدى العاملات الاجتماعيات في هذا الغرض إنها عالجت الكثير من هذه الحالات. وتضيف «حاولت أن أضع خلال مهنتي حداً لهذه الظاهرة، لكني تعرضت أحياناً لتهديدات بالموت من شبان تربطهم علاقة مع هؤلاء البنات».
    روايات
    وتعرض الصحيفة قصصاً، في صلبها البرنامج اليومي لشبان لم يتجاوزوا سن الثامنة عشرة، يعيشون حالاً من اليأس والإحباط المدقعين، تقودهم إلى مسار الإجرام. فمن يمر في شوارع الأحياء الفقيرة في المدن الإسرائيلية الكبيرة، والصغيرة الى حد ما، يشاهد تجمعات لشبيبة روسية، أو اثيوبية، يشربون كميات هائلة من الكحول الرخيص. موسيقى صاخبة ومزعجة في مكان سكني ليس معدّاً لهذا الغرض، يكون عادة على مدخل أحد المباني.
    وفي كل حي قصة، والقصص كثيرة لا تنتهي. هؤلاء لا يعيشون الحياة بطبيعتها، هم شيء واقع بين الجريمة وضحيتها، قصصهم تستدعي التضامن، وجرائمهم تستدعي العقاب. ولا أحد يفعل شيئاً.
    ديما (اسم مستعار)، فتى من أصل روسي. حال وحيدة لكنه يمثل جزءاً لا يستهان به من الشبيبة الروسية والإثيوبية. يستيقظ في كل صباح ولا يذهب إلى المدرسة. لم يتجاوز عمره الـ 12 عاماً، لكنّ رصيده في الجرائم واف. تسرّب من المدرسة في سنّ مبكرة، وتورّط في قضايا إجرام وسرقة. دخل المستشفى أكثر من مرة نتيجة إصابته بتسمم كحول. لا يمشي من دون سكين في جيبه «يجرّ وراءه أطفالاً في سن العاشرة ويعرض عليهم أفلاماً إباحية».
    قصته معروفة للجميع، لكل مؤسسات الرفاه الاجتماعي. يعود في كل يوم إلى الأماكن نفسها، ولا يزال المسؤولون في خدمات الرفاه لا يجدون له الإطار المناسب، علماً بأنّ حالته تستدعي رعاية كبرى.
    كذلك الحال بالنسبة لأبراهام، من أفراد الشبيبة. لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. هاجر مع عائلته من إثيوبيا، وطعن إسرائيلياً عندما كان تحت تأثير الكحول والمخدرات. لم يجدوا له مكاناً يؤويه. نقل إلى سجن «أوفك» قبل أن يحاكم. تعاني عائلته الكثير من الويلات.
    وقال مسؤول جمعية «سلام الطفل في إسرائيل»، يتسحاك كدمون، إن «اسرائيل، بإهمالها، تتخلى عن مصائر الكثير من المهاجرين من الشبان، وهم واقعون تحت الخطر».
    متسربون
    الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي عايشها الروس والإثيوبيون من فئة الشبيبة أدّت بطبيعة الحال إلى ظاهرة التسرب من المدرسة. وبحسب المعطيات للسنة المدرسية 2005-2006، فإن نسبة المتسربين من المدارس من المهاجرين الروس والإثيوبيين تجاوزت ضعفي نسبتهم من السكان. وفي مدينة نتنايا، على سبيل المثال، وصلت نسبة المتسربين من المهاجرين إلى 45 في المئة. وفي الخضيرة هناك 51 في المئة، وفي نتسيرت عيليت 71 في المئة.
    وتقول إحدى المسؤولات في مؤسسات استيعاب الإثيوبيين إن «الطلاب الإثيوبيين لم ينجحوا في تقليص الفجوة في التعليم. يتسربون من المدارس. يسرقون من أجل تمويل أنفسهم ويتورطون في الإجرام». وتشدد على أن «غالبية أبناء الشبيبة الذين نعالجهم فقدوا الثقة بالدولة (اسرائيل) ونحن نحاول إعادة هذه الثقة ونقلهم إلى الاختصاصيين، مثل مراكز العلاج من الإدمان على الكحول والمخدرات. ولكننا نقطة في بحر وهناك الكثير من العواصف».
    ويحلّل أحد الاختصاصيين سبب الإجرام بأن الأطفال الذين يصلون إلى إسرائيل «ويكتشفون بأنهم لا يستطيعون الاندماج لا من حيث اللغة ولا الاقتصاد ولا حتى من حيث السيطرة على مراكز القوى، يغضبون ويحاولون الحصول على هذا الاندماج بطرق ليست طبيعية». ويضيف أن «المذنب في هذا كله هو المجتمع الإسرائيلي كله وليس المؤسسات الحكومية فقط». ويتابع أنّ «هناك رفضاً من قبل القدماء للجدد. لا يحبون لهجة الإثيوبيين ولا لون بشرتهم ولا لباسهم ولا أنواع عملهم. أما بالنسبة للروس، فهم مرفوضون من قبل الروس أنفسهم».
    عنف الإحباط
    وكتب اختصاصي علم الإجرام في الجامعة العبرية في القدس، أرنون اديلشتاين، أنّ «المهاجرين من إثيوبيا عانوا من تصنيف لم تعان منه أي أقلية في إسرائيل»، مضيفاً أنّ «المجتمع الإسرائيلي يصنّف الإثيوبيين على أن منزلتهم منخفضة، وخطيرين حتى من الناحية الصحية». وأوضح أنَّ «هناك أماكن جُلب إليها الإثيوبيون في ظلمة الليل كي لا يراهم السكان المحليون ويستيقظوا في الصباح تحت أمر واقع».
    وتابع اديلشتاين أن طلاباً في المدرسة رفضوا الجلوس إلى جانب أولاد إثيوبيا كي «لا يحلّ عليهم اللون الأسود»، مشيراً إلى أن «الكثير من المقولات لم يخترعها الأولاد بل سمعوها من البيت».
    وأوضح اديلشتاين أن العنف لدى الإثيوبيين يترجم على ناحيتين، خارجية وداخلية؛ نسبة الانتحار في صفوف الشبيبة في اثيوبيا أعلى بسبعة أضعاف من نسبة المنتحرين من كل الشبيبة الإسرائيلية عامة. كما أشار إلى أنّ الشبيبة من المهاجرين من الاتحاد السوفياتي، وصلوا عموماً مع ثقافة جامعية. لكن في كثير من الأحيان أُجبر الأهل على التنازل عن مهنتهم من أجل الأبناء. والأولاد بطبيعة الحال شعروا بثقل مشاعر كبير. الشبيبة شعروا بغضب كبير على أهاليهم لأنهم فرضوا عليهم الهجرة، لا بسبب دوافع دينية، وإنما لأسباب اقتصادية، ما أجبر الأولاد على الافتراق عن أصدقائهم وترك طريقة حياة آمنة ومعروفة بالنسبة لهم.

    تحطّم أسطورة «المجتمع الآمن»
    فشلت إسرائيل في إيجاد حل لضمّ الشبان الإثيوبيين والروس المهاجرين إلى إسرائيل، ما أدّى إلى تفاقم العنف في المجتمع الإسرائيلي، في الشوارع والنوادي الليلية.
    في عام 2005، قتلت فتاة إسرائيلية في الخامسة عشرة من عمرها، اسمها معيان سابير من مدينة رحوبوت. اعتقل في أعقاب الحادثة فتى إثيوبي في السادسة عشرة من عمره واعترف بأنه رأى المجنى عليها في الشارع في الساعة الثامنة مساءً. اغتصبها وقتلها خنقاً، ووضع جثتها في إحدى مدارس المدينة.
    قال الفتى إنه كان «تحت تأثير الكحول والسموم». المحكمة حكمت عليه بالسجن المؤبد. وقال مراقبون في حينه إن الجريمة القتل نتجت أيضاً عن «الشعور بالنقص».
    أحدثت هذه الجريمة صدىً كبيراً في المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً أن عشرات الجرائم قد سبقتها في النوادي الليلية والشوارع، منهية أسطورة «المجتمع الآمن».