منذ سنوات الانقسام التي بدأت عام 2007 في غزة وامتدت آثارها إلى الضفة، جرّاء عملية انتخاب «ديموقراطية» واحدة، باتت الانتخابات الطالبيّة التي تجري بين الكتل التابعة للفصائل الفلسطينية على مجالس الطلبة في جامعات الضفة، الساحة الأهمّ لممارسة الترشّح والتصويت بعد النقابات المهنيّة، وأخذ مؤشرات عن رأي الشارع، بالنسبة إلى الفصائل عامة، و«حماس» و«فتح» خاصة.

لماذا الضفة تحديداً؟ في غزة لا يمكن قياس هذه الحالة، في ظل أن الجامعات الكبرى مقسّمة من الأساس على الأصل التنظيمي: «الإسلامية» لـ«حماس»، و«الأزهر» لـ«فتح»، وإن جرت انتخابات فيهما فلن تكون سوى «مسرحيّة» فضّلت الأطر الطالبية انتهاءها مسبقاً بالفوز بالتزكية للتنظيم المسيطر من البداية، فيما ترضخ «الأقصى» و«القدس المفتوحة» لمشكلاتهما الإدارية والمالية.
رغم ذلك، فإن رسم خريطة قوّة الفصائل وشعبيّتها انطلاقاً من تمثيل الطلاب في جامعات الضفة، لا يعني أنه وصفٌ ينطبق على المجتمع ككل؛ ففضلاً عن عوامل موضوعية، كاختلاف خيارات الشباب عن باقي طبقات المجتمع ونزوح الفقراء إلى جامعات معيّنة وانتماءات المقدمة إليهم المنح والمساعدات، وغيرها، يوجد في غزة التي تحكمها «حماس» عملياً، قاعدة شعبية كبيرة لـ«فتح» تهملها حركتها ورئيسها، مقابل أن في الضفة جمهوراً كبيراً ليس راضياً عن أداء السلطة، وفي الوقت نفسه هو «قاعدة رخوة»، لأنه ليس منتمياً إلى القوى الإسلامية أو اليسارية، ما يعني أن خياره الانتخابي إذا حلّ الاستحقاق الرئاسي أو التشريعي أو البلدي، قد يكون مغايراً لأصوات الطلاب.

نتائج مجالس الجامعات ليست صورة دقيقة عن الواقع الشعبي في الضفة وغزة

مع هذا كله، ينظر المجتمع الفلسطيني إلى هذه الانتخابات بأهمية. وقد انتهت يوم أمس انتخابات مجلس الطلبة السنويّة في جامعة بيرزيت (رام الله)، بفوزٍ هو الثاني على التوالي لـ«الكتلة الإسلامية» (حماس)، التي حصلت على 3481 صوتاً (46.2%)، بفارق غير كبير عن «الشبيبة الطلابية» (فتح)، بعدما حصلت الأخيرة على 3035 صوتاً (40.3%). وكالعادة، جاءت النسب ضعيفة لفصائل اليسار: «القطب الطلابي» (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) 668 صوتاً (8.8%)، و«التحالف الديموقراطي» (الجبهة الديموقراطية وفدا) 74 صوتاً (0.9%)، و«فلسطين للجميع» (جبهة النضال الشعبي) 68 صوتاً (0.9%)، و«المبادرة الطلابية» (المبادرة الوطنية) 28 صوتاً (0.3%). وهذا يعني في ترتيب المقاعد أن «الكتلة» حصلت على 25 مقعداً، و«الشبيبة» على 21، و«القطب الطلابي» خمسة، فيما لم تصل بقية الكتل إلى نسبة الحسم.
نتائج أمس تحوّلت إلى احتفالات لأنصار «حماس» في الضفة وغزة ومواقع التواصل الاجتماعي، وإحباط متكرر لدى الفتحاويين، علماً بأن طلاب «حماس» شاركوا في «بيرزيت» مقابل غيابهم عن انتخابات جامعة القدس ـــ أبو ديس، و«الخضوري» (طولكرم)، وجامعة بيت لحم (بيت لحم)، التي حققت «فتح» الفوز في ثلاثتها، مع إحراز اليسار نسباً جيدة. كذلك سبق لـ«الكتلة الإسلامية» المشاركة في انتخابات «البولتيكنيك» (الخليل) قبل أيام، وانتهت بخسارتها وفوز «الشبيبة».
ورغم وضوح المؤشرات في بيرزيت من البداية، لكن الحسم كان لدى طلاب كلية كمال ناصر (سنة جامعية أولى)، من أصل خمس كليات، خاصة أنهم طلاب السنة الأولى والأكثر عدداً وينتهي عندهم الفرز، مع العلم بأن «فتح» ركّزت في حملتها عليهم ووعدتهم بدفع أقساط دراسية عنهم، ورغم ذلك لم تستطع الفوز بها.
وكان واضحاً انعكاس الخلاف بين «حماس» و«فتح» على الدعاية الانتخابية بين كتلتيهما، فقد كانت الدعاية أقرب إلى «الردح السياسي» من معالجة قضايا الطلاب، وطغت القضايا السياسية في مناظرات الطرفين على حساب المشكلات داخل الجامعة. كذلك فإن الكتل الباقية اكتفت بتوجيه الانتقادات إلى «الكتلة» و«الشبيبة»، كما يحدث دوماً بين التنظيمات ـــ الأم. ولعل ما يزيد الإحباط لدى «فتح» أنها لم تنجح رغم الضخ المالي والسياسي والدعم الذي تتلقاه «الشبيبة» من الأجهزة الأمنية.
أما «حركة الجهاد الإسلامي»، فباتت ذراعها في الجامعات (الرابطة الإسلامية) تتغيب بصورة عامة عن انتخابات المجالس. لكنها علّلت غيابها ببيان قالت فيه إنها بسبب ضخ كل ما لديها من طاقة في «ساحة المواجهة مع العدو»، صارت مرهقة أمام عدد من الاستحقاقات كـ«ساحات العمل النقابي والأكاديمي». وانتقدت «الرابطة»، في الوقت نفسه، تحوّل الدعاية الانتخابية إلى «مناكفات أفرزها الانقسام المؤسف»، مضيفة: «لا نحمل في خطابنا إلا هذه الانتفاضة التي فجّرها الشهيدان البطلان، ابنا الرابطة الإسلامية، الشهيد المهندس ضياء التلاحمة والشهيد المحامي مهند الحلبي». لكن مصادر طالبيّة عزت سبب انسحاب «الجهاد» إلى غياب «العدد الكافي للمشاركة في القائمة»، مرجعة ذلك أيضاً إلى «الملاحقة الأمنية المكثفة» لأعضائها.
إلى ذلك، تغيب «النجاح» (نابلس) عن انتخابات مجالس الطلبة التي تجرى في جامعات الضفة في وقت متزامن، وذلك للسنة الرابعة على التوالي، في ظل اتهامات لـ«الشبيبة» بالضغط على إدارة الجامعة لمنع الانتخابات.