تعز | تقف محافظة تعز (وسط) اليوم، في عين العاصفة اليمنية، وباتت نيران الحرب المشتعلة في البلاد قاب قوسين أو أدنى منها. كل ما حول المدينة ذات الثقل السياسي والثقافي التاريخيين، أصبح ساحات قتال، بدءاً من جنوبها حيث تقع عدن التي تشهد معارك ضارية بين الجيش و«اللجان الشعبية» التابعة لجماعة «أنصار الله» من جهة، وبين القوات الموالية للرئيس الفار عبد ربه منصور هادي وعناصر «القاعدة» من جهة أخرى. وبعد ضربات الجيش و«اللجان الشعبية» لتلك المجموعات، فرّت أعدادٌ كبيرة منها إلى تعز التي يجري العمل على تحويلها ملاذاً للإرهاب. وفي هذا الوقت، شهدت المحافظة يوم أمس، أول قصفٍ من قبل العدوان السعودي الذي شنّ غارات على معسكر «22 مايو» التابع للحرس الجمهوري في منطقة الجَنَد.


شمال المحافظة، تقع محافظة إب التي تسيطر عليها «اللجان الشعبية» بعدما حررتها من «القاعدة». ويبدو أن بعض الخلايا حوصرت في إب حتى عادت منذ أيام لتهاجم نقاط «اللجان الشعبية» ومواقع الجيش. وفي وقتٍ شنّ فيه الجيش و«اللجان الشعبية» معركة مضادة على هذه الخلايا متمكنين من دحرها، فرّت أعداد كبرى منها إلى تعز أيضاً. ومن محافظة البيضاء (وسط)، وبالتحديد في مديرية رداع التي كانت تُعد شبه إمارة «داعشية»، قبل أن تتحرر العام الماضي بعملية للجيش و«اللجان الشعبية»، بدأت تفيد أخبار بأن جماعة تتبع المتشدّد المعروف نبيل الذهب، مكونة من أكثر من 70 إرهابياً معظمهم من الأجانب، وصلت إلى ريف تعز.

تمثل المحافظة بوابة على بقية المحافظة لمن يسيطر عليها

هذا «النزوح الإرهابي» أو إعادة التعسكر في تعز، من قبل جماعات تُهزم في شتّى المناطق على أيدي الجيش و«اللجان الشعبية»، آخرها في شبوة ومأرب، يقابلها أيضاً نشاط لعناصر «القاعدة» وجماعة «الإصلاح» (الإخوان) في المدينة. وقبل شهرٍ، قامت هذه الجهات بتوزيع السلاح الخفيف والمتوسط على عناصرها، حتى بدأت شوارع تعز تشهد انتشاراً مسلحاً، يرافقه تصعيد في دعاية بعض وسائل الإعلام عن «اقتحام الحوثيين لتعز»، وعن جاهزية أبناء تعز للتصدّي لهم عبر «المقاومة الشعبية»، وذلك للتغطية على واقع أن «القاعدة» و«الإخوان» وأنصار هادي هم من يناصبون العداء للجيش و«أنصار الله» في تعز، وليس أبناء المحافظة بمختلف انتماءاتهم.
وفي هذا السياق، إن ما زاد من حدة الاحتقان، هو تعيين هادي قائداً جديداً لـ«اللواء 35» في منطقة المطار القديم في المدينة، وهو عدنان الحمادي المقرّب من «الإخوان». الحمادي، ومنذ توليه القيادة، بدأ بالتحرّش بقوات الأمن المركزي التي تتعرض لحرب مسلحة منذ أشهر في كل المناطق اليمنية.
تخيم أجواء الحرب على المدينة، وتتعطل الحياة اليومية مع انعدام المشتقات النفطية وتكاد الشوارع تصبح مُقفرة. كذلك، يسمع إطلاق نار بين الحين والآخر، من داخل حارات المدينة لترويع الأهالي، ما يجعل المتابعين يتوقعون اندلاع معارك وشيكة في تعز. وليس التحشيد المُسلح المؤشر الوحيد على هذا الأمر، إذ إن الإعلام السعودي يؤدي دوراً بالغ الأهمية في استدراج الحرب إلى المدينة التي لا تزال في منأى عن معاركها حتى الساعة. فقناة «العربية» مثلاً، تنشر منذ أيام أخباراً عن أن القبائل في تعز «تصنع كمائن للجيش التابع للحوثيين». هذا التصعيد الإعلامي والتزييف للحقائق، يحاول في الحدّ الأدنى، استباق الواقعة ويكرّسها في وعي المشاهد لتبدو، في حال حصولها، اجتياحاً عسكرياً حوثياً جاء إلى تعز من خارجها وأن تعز تقاومه.
«معركة تعز» مهمة لكل الأطراف، إذ إن المدينة تجمع جغرافياً بين الشمال والجنوب. وفي عام 1994 كان لها دور إيجابي في الحرب بالنسبة إلى القوى التابعة للنظام الشمالي برئاسة علي عبدالله صالح، باعتبارها خط إمداد وتغذية وعلاج وتموضع ومخزون بشري أيضاً. كذلك فإنها في أيام نضال «الجبهة الوطنية» (الحزب الاشتراكي في الشمال قبل الوحدة)، كانت منطقة مهمة في تلك الحرب، إذ إن تماساتها الجغرافية مع الجنوب وطبيعتها الجغرافية الجبلية تجعلها ثقلاً عسكرياً مؤثراً على بقية المحافظات لمن يُسيطر. ومن يسيطر عليها يمكن أن يجعلها مركزاً للانطلاق إلى محافظات أخرى، بالإضافة إلى كون تعز تُعدّ محركاً للرأي العام، وذات وزن سياسي مهم. ففيها الثقل الأكبر لقواعد كل الأحزاب السياسية المتعارضة، وهي أشبه ما تكون بعاصمة ثالثة لليمن في رمزيتها بعد صنعاء وعدن. وبالتالي، إذا تمكنت القوات الموالية لهادي والسعودية من السيطرة عليها لتمكنت من جعلها مركزاً للتوسع. من جهةٍ أخرى، سبب الحصار الاقتصادي للعدوان أزمة قمح ونفط، في وقتٍ نزح فيه سكان صنعاء وعدن إلى تعز. وتجدر الإشارة إلى أن تعز تضم أعلى نسبة كثافة سكانية في اليمن، ونمط حياة أهلها يومي، لا يحتمل الحرب الطويلة، بعكس بقية المحافظات ذات الطبيعة القبلية، كمأرب وشبوة وأبين وغيرها.