طرطوس | قبل عشر سنوات، بدأ الاكتتاب على الشقق السكنية في محافظة طرطوس، ضمن مشروع «سكن الشباب» الذي ترعاه الحكومة السورية، في مختلف المحافظات، بغية إيجاد حلولٍ لمشكلة السكن المتفاقمة. حصّة طرطوس، من المشروع، كانت 3371 شقة سكنية، يتمّ تسليمها للمكتتبين على مرحلتين: الأولى ضمن مدّة زمنية محدّدة بـ 5 سنوات، والثانية تصل إلى 7 سنوات. لكن حتى اليوم، لم يتمّ تسليم أيّ شقة سكنية، رغم انقضاء ثلاث سنوات على انتهاء المدّة القصوى التي حددها المشروع.


وليس ذلك فحسب، بل إنّ نسبة تتجاوز 75% من المشروع، لم تشهد تحديد المحاضر التي ستبنى فيها الأبراج السكنية، أي أنّ أكثر من 2500 شقة لم يبدأ العمل فيها، مطلقاً. في حين أنّه تمّ الانتهاء من تسليم شقق السكن الشبابي، ضمن الوقت المحدد، في بعض المحافظات، أو بعد تأخرٍ زمنيّ محدود، ليبقى الفقراء من أبناء طرطوس ينتظرون «حلم العمر»، وسط غياب أي مبرراتٍ (أمنية أو خلاف ذلك) داخل المدينة تستدعي التأخير. فالمحافظة الساحلية تعتبر من الأكثر أمناً على امتداد زمن الحرب.
وعند الاستفسار عن أسباب التأخير الحاصل، تحضر «زواريب» الإشكالات بين الجهات المعنية بالأمر، ومتاهات اللجان المشكّلة، على غرار اللجان التي يتمّ تشكيلها، من قبل الحكومة، لمتابعة أي موضوع ترغب في تأجيله. مدير فرع المؤسسة العامة للإسكان، في طرطوس، المهندس معمر أحمد، الذي تسلّم منصبه قبل شهرين فقط، يقول في حديثه مع «الأخبار»: «أنجزنا في المشروع 10 كتل بنائية حتى اللحظة، وهي تغطّي ما يقارب 400 شقة سكنية، ستسلّم تباعاً خلال هذا العام»، علماً بأنّ هذه الشقق كان من المفترض أن تسلّم ضمن المرحلة الأولى، التي تمّ الاتفاق عليها بين المؤسسة المنفِّذة والمكتتبين، أي منذ عام 2010. ويتابع أحمد شارحاً خطّة المؤسسة: «مستمرّون الآن بالبدء بتنفيذ عددٍ مماثلٍ من كتل الأبنية، في الموقع نفسه، وهو مدخل طرطوس الشمالي، وهذا من شأنه أن يغطّي عدداً مماثلاً من الشقق التي تمّ إنجازها، وبعدها مضطرون إلى التوقّف بسبب عدم تقديم أراضٍ أخرى للإنشاء عليها».


400 شقة فقط من أصل 3371 انتهت المؤسسة من تنفيذها حتى اليوم

بعمليةٍ حسابية بسيطة، نجد أن 400 شقة فقط، من أصل 3371، شارفت المؤسسة على تسليمها، أي نحو 12.5 في المئة من حجم المشروع، ما يضعنا أمام أسئلة عدة عن سبب التقصير. غير أنّ الأسئلة تضيع، من دون إجابات، وسط تقاذف المسؤولية بين الجهات المعنية. فالمهندس معمر أحمد يلقي على عاتق مجلس مدينة طرطوس «مسؤولية تأمين الأراضي اللازمة لإتمام المشروع، كونها الجهة المعنية بهذا الأمر، حسب الاتفاق»، فيما يلقي مجلس المدينة اللوم على اتحاد الفلاحين، بسبب اعتراض الأخير على استملاك أراض زراعية، في منطقة أبو عفصة، جنوب المدينة، وهو الموقع الثاني، المفترض أن ينفّذ فيه المشروع.
وسط هذه الآليّة البيروقراطية، يقف زياد، الرجل الأربعيني، وأحد المكتتبين، متسائلاً: «حكومة بجميع مؤسساتها المعنية لم تستطع، بعد 10 سنوات، أن تؤمّن مكاناً يتسع لإنشاء مشروعٍ صغيرٍ كهذا، فكيف ستبني بلداً مدمّراً بأكثر من نصفِ منازله؟ وكم سيأخذ معهم ذلك من الوقت؟». ويتابع زياد مستغرباً: «منذ أشهر، زارنا رئيس مجلس الوزراء، وائل الحلقي، ليدشّن مولاً تجاريّاً وشاليهات بحرية، من دون أن يكلّف نفسه عناء الوقوف على واقع آلاف الأشخاص، الذين يحلمون بيوم يتخلّصون فيه من عبء الاستئجار».
بعيداً عن غضب وتذمّر معظم المسجّلين، فالمشروع، إذا ما أُخِذ بشقّه النظري، يؤمّن امتيازات عديدة لناحية انخفاض سعر الشقة، وآلية الدفع، مقارنة بالمشاريع السكنية الخاصة. فمع بدء الاكتتاب، عام 2005، بدأ تسديد أقساطٍ شهرية، مريحة، قيمتها 2500 ليرة فقط، أي أنّ مجموع ما دفعه كلّ مكتتب، حتى اليوم، هو 300 ألف ليرة (ما يقارب 1380 دولاراً، وفق سعر الصرف الحالي) على أن يتمّ احتساب سعر الشقة، عند التسليم، بناءً على سعر التكلفة، مع إضافة نسبة بسيطة، كربح للمشروع. إلّا أنّ بيت القصيد يكمن هنا، بحسب معظم من التقيناهم، لأن سعر التكلفة ارتفع كثيراً في الوقت الحالي، عمّا كان من المفترض تقديره فيما لو سُلّمت الشقق في وقتها المحدد. وتبعات هذا التأخير والتقصير ستتحمّلها جيوب المكتتبين أيضاً. هذا ما يؤكّده وسيم، الموظّف الحكومي، وأحد المسجّلين في المشروع، ويضيف لـ«الأخبار»: «إن أيادي مستفيدة تقف وراء عدم التنفيذ، ساعية لزرع المسامير في طريق استكمال المشروع، وذلك لإبقاء المسجّلين فيه تحت رحمة تجّار العقارات، وأرقامهم الفلكية. ثم إنّه لا شيء يبرر هذا التأخّر، والتعامل غير الجديّ مع الموضوع، إذ إنّ معمل اسمنت طرطوس لا يبعد أكثر من كيلومترين اثنين عن المدينة، وهذا يعني أنه لا حجةً في استجلاب مواد البناء من محافظاتٍ تشهد أحداثاً أمنية. كذلك فالمدينة محاطة بآلاف الهكتارات من الأراضي، التي يمكن استملاكها بقوّة القانون، ومن ثمّ البناء عليها. رأس المال متوفر مع المؤسسة، لأننا منذ عشر سنوات نسدد أقساطاً شهرية»، لكن يبدو أن واقع حال المكتتبين تلخصه عبارة وسيم الأخيرة: «إننا نسدد الأقساط كمن يشتري سمكاً في الماء».