strong>محمد بدير


وجّه رسائل إلى الأسد عبر أردوغان وميركل يستطلع من خلالها استعداده لدفع «الثمن»

بلغت موجة التسريبات الإسرائيلية بشأن الاتصالات السرية التي تجريها تل أبيب مع دمشق ذروتها أمس مع إعلان صحيفة «يديعوت أحرونوت» على صدر صفحتها الأولى أن رئيس الوزراء إيهود أولمرت أبلغ الرئيس السوري بشار الأسد استعداده للانسحاب من الجولان المحتل ثمناً للسلام مع دمشق ولتخليها عن أحلافها مع إيران والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية.
وقالت «يديعوت» إن أولمرت بعث برسالة إلى الأسد يصرّح فيها بأنه يعرف ما هو ثمن السلام مع سوريا، وأنه مستعد لدفعه، طالباً في الوقت نفسه الوقوف على مدى استعداد سوريا للوفاء بنصيبها من الصفقة، وهو، بحسب الصحيفة، التفكيك التدريجي للتحالف مع طهران وحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية ووقف دعم «الإرهاب».
وكتب مراسل الشؤون السياسية في الصحيفة، شمعون شيفر، أن بداية القصة كانت في اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأميركي جورج بوش، بأولمرت في الرابع والعشرين من نيسان الماضي، ليهنئه بولادة حفيدته وبذكرى «استقلال» إسرائيل التي صادف حلولها آنذاك وفقاً للتقويم العبري. إلا أن الاتصال البروتوكولي تحول إلى «أهم حديث يجريه الرجلان»، وفقاً لمصدر مقرب من أولمرت، حين قرر الأخير إثارة الملف السوري مع محاوره الأميركي مشيراً إلى نيته «فحص إمكان استئناف المفاوضات مع دمشق، بعدما توصل إلى استنتاج مفاده انعدام فرص التوصل إلى اختراق سياسي مع الفلسطينيين».
وبحسب شيفر، وافق بوش على ما طرحه أولمرت، ومنحه الضوء الأخضر للقيام بجس نبض الخيار السوري، موضحاً أن «إسرائيل دولة ذات سيادة، وأميركا لن تقف في طريقكم إذا نضجت الظروف لاستئناف المفاوضات مع سوريا».
ولم يكد أولمرت يحصل على الإذن الأميركي حتى باشر خطوات عملية أخذت شكل إيصال رسائل سرية إلى دمشق، متوسطاً في هذا السبيل كلاً من الزعمين التركي، رجب طيب أردوغان، والألمانية، أنجيلا ميركل، اللذين أوكلا مهمة نقل الرسائل إلى مستشاريهما لشؤون الأمن والاستخبارات.
ووفقاً لما أوردته «يديعوت»، فإن أولمرت قال في رسائله للأسد «إني شريكك في صنع السلام بين دولتينا، وأنا أدرك أنّ أي اتفاقية سلام مع سوريا تستدعي إعادة هضبة الجولان إلى السيادة السورية، وأنا مستعد لأن أنفّذ الجزء المتعلق بي في هذه الصفقة من أجل السلام بيننا. وأنا أطلب أن تقول لي إذا ما كانت سوريا مستعدة في مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الجولان أن تنفّذ الجزء المتعلق بها وهو: التخلي التدريجي عن تحالفاتها مع إيران وحزب الله والمنظمات الإرهابية الفلسطينية والتوقف عن تمويل الإرهاب وتشجيعه».
ونقلت الصحيفة عن مصدر سياسي رفيع المستوى، وصفته بأنه «من شركاء السر القليلين بشأن الاتصالات مع سوريا»، قوله إن الجانب السوري لم يعلّق إطلاقاً على رسالة أولمرت، مضيفاً إن «الكرة الآن في ملعب الأسد».
وعن خلفيّات المبادرة الإسرائيلية، قال شيفر إن أولمرت توصل أخيراً إلى استنتاج مفاده أنه إذا كان يرغب في الحفاظ على منصب رئاسة الحكومة، فإن عليه وضع هدف سياسي قابل للتحقيق، وخاصة أنه يعتقد بعدم إمكان التوصل إلى اتفاق على المسار الفلسطيني في المستقبل المنظور، فيما حصيلة المبادرة السعودية كانت خيبة أمل إسرائيلية «بعدما تبيّن أن السعوديين غير مستعدين لإقامة علاقات علنية مع إسرائيل». واختصر أحد مقربي أولمرت الموضوع بالعبارة التالية «الملف الفلسطيني مات، لذلك فإن رئيس الوزراء لا يكف عن قلب كل حجر محاولاً التوصل إلى حوار مع الأسد».
ورفض متحدث باسم أولمرت التعليق على ما أوردته «يديعوت»، قائلاً «لا يمكننا تأكيد هذه المعلومات أو نفيها».
وأثار ما نشرته الصحيفة ردود فعل متباينة على الحلبة السياسية في إسرائيل، راوحت بين الترحيب من سجهة اليسار والهجوم العنيف من جهة اليمين، وإن اتفقت جميعها على اعتبار الأمر «محاولة بقاء شخصية» من جانب أولمرت.
ورأى رئيس حزب المفدال اليميني المتطرف، زبولون أورليف، أن «أولمرت يبيع الجولان مقابل إنقاذ كرسيه وهذه محاولة بائسة للبقاء في منصبه»، مطالباً إياه بالاستقالة «في ضوء الفشل في الحرب (على لبنان) والشبهات الجنائية ضده في قضايا فساد».
وقال عضوا الكنيست افي ايتام وتسفي هندل من كتلة «الوحدة القومية» اليمينية المتطرفة إنه "لا فرصة أمام قائد فاسد يحظى بدعم شعبي بنسبة 2 في المئة أن يمرر عملية جنونية يتم خلالها اقتلاع هضبة الجولان». كذلك دعا رئيس كتلة حزب الليكود اليميني غدعون ساعر حزبي شاس و«إسرائيل بيتنا» إلى الانسحاب من حكومة أولمرت. وقال ساعر، لإذاعة الجيش الإسرائيلي، إنه "لا تفويض شعبياً لأولمرت بالانسحاب من هضبة الجولان واستمرار وجوده في منصبه يمثّل خطراً على دولة إسرائيل».
من جهة أخرى، رحب رئيس حزب ميريتس، يوسي بيلين، «بالتغيير الذي طرأ على مقاربة رئيس الوزراء لموضوع التفاوض مع سوريا»، معتبراً أنه «إذا كان أولمرت جدياً فإن الطريق لتوقيع اتفاق سلام مع سوريا ستكون قصيرة».
وفي السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، زعيم حزب الليكود، بنيامين نتياهو، إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وعده خلال المفاوضات التي أجراها معه في عهده بالتخلي عن جبل الشيخ. وجاءت تصريحات نتنياهو في مقابلة إذاعية تحدث خلالها عن المفاوضات التي أجراها مبعوثه رون لاودر مع السوريين عام 1998.
وقال نتنياهو «لقد أجريت اتصالات (مع السوريين)... وقالوا، بالنسبة إلى الحدود الدولية ـــــــ على فكرة كان هذا بعدما منحني جبل الشيخ ـــــــ الناس لا يعرفون ذلك. الأسد تنازل عن جبل الشيخ لأنني قلت لدي شروط مسبّقة، هي جبل الشيخ. فسألني: لماذا تحتاج إلىهذا الشرط المسبّق، فقلت: لأن هناك تهديداً من إيران ...وأنا أحتاج إلى أن تكون لي عيون إلى الشرق. وهو منحني جبل الشيخ. علي أن أقول إنني فوجئت، لكنه منحني جبل الشيخ وأنا سررت».
تجدر الإشارة إلى أن الصحف الإسرائيلية كانت قد نشرت في حينه أن نتنياهو كان مستعداً للتنازل عن كل هضبة الجولان حتى الحدود الدولية لعام 1923 مقابل اتفاق سلام شامل مع سوريا، إلا أن الأسد الأب رفض المقترح الإسرائيلي وتمسك بالانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران.



أظهر استطلاع للرأي نشرت صحيفة «معاريف» نتائجه أمس أن 88 في المئة من الإسرائيليين يرفضون الانسحاب الكامل من الجولان في مقابل سلام مع سوريا. وقال 74 في المئة من المستطلَعين إنهم لا يصدقون الدعوات السلمية السورية، فيما أعرب 76 في المئة عن ثقتهم بقدرة الجيش الإسرائيلي في حال حصول حرب مع سوريا. وتوقّع 37 في المئة نشوب حرب كهذه، في مقابل 47 في المئة استبعدوا هذا الاحتمال