تتجنّد قوات الأمن التونسي كل يوم جمعة أمام مداخل عدد من المساجد التي عزلت وزارة الشؤون الدينية أئمتها خوفاً من إعادة اشتعال فتيل «حرب المساجد» التي اندلعت بين مريدي الأئمة المعزولين ووزارة الشؤون الدينية التي تتمسك بقرارات إعفاء عدد من الأئمة الذين ساهموا في نشر خطابات متطرفة.
ولا يخفي مراد، وهو أحد مرتادي مسجد «اللخمي» في محافظة صفاقس، غضبه وحنقه وهو يتحدث إلى «الأخبار» عن تصرفات «شرذمة من تجار الدين»، على حدّ وصفه لبعض المصلين الذين احتجّوا على عزل إمام مسجد اللخمي رضا الجوادي، فقاموا بمنع الإمام الجديد الذي عيّنته وزارة الشؤون الدينية من صعود منبر المسجد ومنعوا صلاة الجمعة لخمسة أسابيع متتالية. ويتساءل مراد «لا نفهم هل يعبد مريدو هذا الإمام الله أم هم يعبدون إمامهم؟». ويتابع «لقد حوّلوا المسجد إلى ساحة لممارسة السياسة عبر رفع شعارات سياسية مناوئة للوزير والحكومة من دون مراعاة لآداب المساجد ونواميسها».
ولا تعدّ حادثة مسجد «اللخمي» الوحيدة، فقد شهد العديد من مساجد تونس حوادث مشابهة، حيث قام عدد من المصلين بإنزال الأئمة الذين عيّنتهم الحكومة ومنعهم من أداء صلاة الجمعة، ما دفع وزارة الشؤون الدينية إلى التحذير من مغبة تعطيل صلاة الجمعة، وهددت بمعاقبة كل من يتعمّد تعطيل أداء الصلاة والإخلال بهدوء الجوامع والمساجد بالسجن ودفع غرامة مالية، وذلك طبق قانون المساجد.
وقال بيان صادر عن وزارة الشؤون الدينية إن «الدولة هي الساهرة على تسيير الشأن الديني بالبلاد». وأكد البيان «أن بيوت الله مفتوحة لكل من يرغب في أداء الصلاة فيها... وأن تعيين الأئمة وإعفاءهم يبقى (يبقيان) من مشمولاتها (صلاحياتها) وحدها».
وكان الوزير عثمان بطيخ قد أصدر، في وقت سابق، قرارات عزل بحق عدد من الأئمة، منهم وزير الشؤون الدينية الأسبق نور الدين الخادمي، إمام جامع «الفتح» في العاصمة تونس، وإمام الجامع «الكبير» في مساكن محافظة سوسة البشير بن حسن، وإمام الجامع «الكبير» في محافظة صفاقس محمد العفاس.

اتهامات لـ«النهضة» بوقوفها وراء إشعال «حرب المساجد»

وقدّرت المتحدثة باسم الوزارة، نجاة الهمامي، عدد الأئمة المعزولين بـ49 إماماً خطيباً لعدم احترامهم ضوابط خطتهم المسجدية وبثهم لخطاب متشنج، وذكّرت بأن الحكومة قامت في السابق باسترجاع 150 مسجداً، منها جامع «الزيتونة الكبير»، من أئمة كانوا يقدمون خطابات تكفيرية، لتشنّ إثر ذلك حملة ثانية بعد عملية سوسة الإرهابية أغلقت فيها 80 مسجداً غير حاصلة على تراخيص من الوزارة.
وأضافت الهمامي، في تصريح إلى «الأخبار»، أنه في المقابل تم تكليف 1379 خطة مسجدية بين إمام ومؤذن بين شهر شباط وتشرين الثاني الماضي تخصص لهم الوزارة منحاً مالية.
وحيّا رئيس «جمعية دار الحديث الزيتونية»، الشيخ فريد الباجي، قرار الحكومة بعزل الأئمة، داعياً الوزارة إلى «عزل أئمة آخرين ما زالوا يحتلون المنابر ويبثّون فكرهم المتطرف». وشدد الباجي في تصريح إلى «الأخبار» على أن من «واجب الدولة حماية شعبها من الأئمة الذين يكفّرون ويتدخلون في التجاذبات الحزبية ويثيرون الفتن بين التونسيين عبر عزلهم وعدم مراعاتهم لتجنيب التونسيين نار الفتنة والتشدد».
وأشار الباجي إلى أن «بعض السياسيين يستغلون حرب المساجد لأنهم يراهنون على جنودهم في المنابر تحضيراً للانتخابات القادمة، لذلك تراهم يقاتلون على بقائهم في المنابر».
في المقابل، دعا كاتب عام نقابة الأئمة، شهاب تليش، إلى إبطال كل قرارات الإعفاء التي سُلطت على الأئمة بـ«صورة تعسفية» بحسب رأيه. ورأى تليش في تصريح إلى «الأخبار» أن قرار الوزير عثمان بطيخ مخالف لقرار معمول به في الوزارة ينظم عمل الأئمة، «فهو لم يحترم مبدأ التدرج في العقوبة وتحديد نوعية الخطأ المرتكب».
كذلك استغرب تليش إصرار الوزارة على عزل الأئمة وإكراه المصلين على قبول إمام آخر، مشيراً إلى أن ذلك مخالف للشرع، واستدرك «نحن لا ندعو إلى إبعاد الدولة تماماً عن الشأن الديني، ولكننا نرفض التعسف على الأئمة وإكراه المصلين على إمام هم له كارهون»، معتبراً أن ملف عزل الأئمة خضع لتجاذبات سياسية.
وطالب كاتب عام نقابة الأئمة بإقالة وزير الشؤون الدينية في التغيير الحكومي المرتقب واستبداله بشخصية مستقلة عن الأحزاب السياسية.
من جهتها، شددت المتحدثة باسم وزارة الشؤون الدينية، نجاة الهمامي، على أن إقالة الأئمة هي إجراء إداري تتخذه الوزارة بعد تسجيل مخالفة لضوابط الخطة المسجدية، كاعتماد خطاب متشنج غير معتدل يفرق بين أفراد المجتمع. ورأت أن العقوبة احترمت مبدأ التدرج الذي يبدأ بتلقي المعلومة حول قيام إمام ببث خطاب متشنج من طرف الواعظ أو المجتمع المدني أو المصلين أو تقارير أمنية، لتقوم الوزارة بالتحرك والتثبت من الأمر عبر الواعظ الجهوي، ويتقرر إثر ذلك إنهاء التكليف.
ونفت الهمامي استهداف وزير الشؤون الدينية لخط سياسي معين من خلال قرارات العزل، وبيّنت أن الوزارة لا تعارض أن يكون للإمام انتماء سياسي شريطة الحفاظ على حياد المساجد وعدم إقحام الخطاب الديني في التجاذبات الحزبية واحترام حياد المنابر.
ويتهم ناشطون سياسيون حركة النهضة الإسلامية بأنها تقف وراء إشعال «حرب المساجد» عبر تحريك أنصارها لمساندة الأئمة المعزولين والضغط على مراكز القرار للتراجع عن قرارات العزل. ولا يخفي القيادي في «النهضة»، فتحي العيادي، رفض الحركة لقرارات الوزارة الأخيرة. ورأى العيادي في تصريح إلى «الأخبار» أن «السياسة التي يعتمدها (الوزير عثمان) بطيخ في عزل بعض الأئمة، هي نفس السياسة التي استعملها (الرئيس المخلوع زين العابدين) بن علي في تجفيف منابع التديّن، وهي تُفقد تونس مناعتها ضد الإرهاب»، مشدداً على أن الحركة «ستتصدى لهذه السياسة التي يجب أن تنتهي».
وتفسّر الاعلامية شهرزاد عكاشة تمسك «النهضة» بالدفاع عن الأئمة المعزولين وعدم تحييد المساجد بسعيها لاستغلال المنابر الدينية لتجييش الأنصار والتعبئة العامة للاستحقاقات الانتخابية، مستشهدة بالبيان التأسيسي للحركة الذي يدعو في أحد بنوده إلى «إعادة الحياة إلى المسجد كمركز للتعبد والتعبئة الجماهيرية الشاملة أسوة بالمسجد في العهد النبوي».