حيفا ـــ فراس خطيب


«إنه مكوث اضطراري خارج البلاد. يريدون أن يفرضوا عليّ بنود لعبة لا أقبل بها، بنود لعبة لمخالفات أمنية، برغم أني لست مخالفاً وبالتأكيد لست مجرماً. لا هروب هنا، بالعكس، ثمّة مبادرة هنا. سأنتظر حتى تتبيّن الأمور، وتهدأ الهستيريا ضدي، وبعدها أدرس ببرود ماذا عساي أعمل. لن أسمح لنفسي ولا أريد أن أكون مُتهماً صغيراً لديهم. أقول للمؤسسة الصهيونية أن تتعامل مع القائد بصفته قائداً، ومع المثقف بصفته مثقفاً، ومع مُمثل الجمهور بصفته مُمثل جمهور. لن أقبل بأن أشارك في هذه اللعبة. لن أجلس قبالة مُحقق أو مدّعٍ وأشرح له ماذا عنيتُ في كلّ جملة تنصّتوا عليها قبل أشهر، وأن أقبل اعتبار الصديق عميلاً أجنبياًهذا جزء مما قاله رئيس التجمع الوطني الديموقراطي عزمي بشارة في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» في الحديث الأول له مع وسيلة إعلام عبرية منذ مغادرته إسرائيل أواخر آذار الماضي أجراه الصحافي أسعد تلحمي في عمان الأسبوع الماضي.
وقال بشارة، في المقابلة، «لن تستطيع شرطة إسرائيل أن تحوك لي ملفّاً؛ فالسمعة تُبنى على مدى سنوات وسنوات، والجميع يدرك صفائي واستقامتي الاجتماعية». وشدّد على أنّ المؤسسة الإسرائيلية «عبر ذراعها المخابراتي، تحاول أن تحوك لي ملفاً، وأن يحوّلوا أموراً بديهية مثل محادثات شخصية وأقوال قلتها شخصياً إلى تهم خطيرة. إنهم يبغون تحويل تصريح سياسي كأنه إعطاء معلومات». وسخر من الادعاء بأنه «قدّم المساعدة للعدو أثناء الحرب»، قائلاً «لست رجل أمن، ولست رجل تنظيم سري، ولا أنتمي لحركات مُسلّحة، فالحديث هنا عن أكاديمي ورجل فكر ونصوص ومحاضرات وكتب».
وعن تلفيق شبهة «العميل الأجنبي»، قال بشارة «بإمكانهم أن ينعتوا من يريدون عميلاً أجنبياً، لكن أية معلومات أمنية أملك؟ إذا كان لا بدّ، فإنّ بإمكان حزب الله أن يبيعني معلومات، حيث إنّ لديه معلومات كثيرة عن أمن إسرائيل، أكثر بكثير مما يعرفه عضو كنيست عادي، فكيف بالأحرى إذا كان عضو كنيست عربياً مُقصياً عن معلومات كهذه». وأضاف «قلت في المكالمة التي سجّلوها: كيف تسقط الصواريخ على قرى عربية؟ إننا نفهم، من وجهة نظر حزب الله، أنه يهاجم حيفا، لكن لماذا يطلقون على قرى عربية، ماذا يحدث هنا؟ إنه حديث يومي تبادله كل عربي وعربي في تلك الأثناء. فهل هذا نقل معلومات لحزب الله؟ ألم يعرف حزب الله أنّ صواريخ تسقط على قرى عربية؟ عندما أتحدث مع صديق هو صحافي أيضاً، فكيف يجب أن أتكلم معه؟ لقد حدثني عمّا يحدث في صور وصيدا وأنا نقلتُ له ما يجري هنا، وبغضب أحياناً. وهنا هم تنصّتوا، ومن خلال اختراقهم لأموري الشخصية حوّلوا الغضب الشخصي إلى غضب علني. ما هذا الهراء؟».
وبشأن العودة، قال بشارة إن «رفضه تقديم تسويغات لموظفين صغار تطاولوا على قائد ومفكر هو ما يدعوه إلى إرجاء العودة»، مشدّداً على أن العودة أكيدة «وأنّ مكوثه في الخارج لن يدوم سوى بضعة أشهر». وأضاف «فوجئتُ بالهجوم والنشر عنّي. شكل الحملة ضدي هو ما خلق لديّ أفكاراً بعدم لعب هذه اللعبة. وفي الحقيقة، عندها بدأت أفكر بتأجيل عودتي إلى البيت». وتابع «هناك 20 صيغة ممكنة لكيفية العودة إلى البلاد، لكنني لن أعود أبداً مثل مجرم أمني يسوغ مواقفه إزاء التهم الموجهة إليه. عليهم في إسرائيل مواجهة أفكاري، ومناقشتها وانتقادها، وأنا أناقش وأنتقد أفكارهم. إنّ محاولة الضرب تحت الحزام وتحويل علاقاتي الثقافية والسياسية والشخصية مع العالم العربي إلى علاقات أمنية، هي محاولة لفرض شكل آخر للعبة، ليضمنوا بموجبه فوزهم في الحلبة التي يعتقدون أنهم سيفلحون بها. ولذا، فإنني أمسك بزمام المبادرة، وكذلك أختار الحلبة، فأنا أيضاً أحسن اختيار الحلبة».
وعن الصحافة العبرية، قال بشارة «إنها بوق قَبَليّ. أرِني أين الرأي الآخر في وسائل الإعلام الإسرائيلية. يتبارى الصحافيون اليهود فيما بينهم أيهم يخلق عدم شرعية العربي العدو أكثر. وكذلك التحذلق. تحول كل واحد، هكذا فجأة، إلى فيلسوف في الجيش ويقترح ماذا يجب عمله. كل هؤلاء الحكماء يساوون قرشاً، الذين يظنون أنه مسموح لهم لكونهم يكتبون، أن يقولوا كيف يجب محو بنت جبيل. أما الآن، فليشتغلوا بعزمي بشارة، وليقولوا كيف يجب عليه أن يجلس وإذا كان سيأتي بالقيود أم من دونها. إنهم يتعاملون معي يصفتي عدواً، لا جزءاً من المجتمع. من يتعامل معي كعدو أعامله كعدو. الحملة علي كلها غير ديموقراطية بل أقرب إلى الفاشية».
وشدّد بشارة على أن دخوله إلى الكنيست لم يكن امنية حياته. وقال «يظنون أنّ كوني أجلس في الكنيست يدلّ على تسامحهم، وكوني أحصل على مواطنة إسرائيلية كأنني ضيف عندهم ويجب أن أتصرف بموجب ذلك. إنهم لا يفقهون أنّ حقيقة قبولنا الجلوس في المكان الذي يتواجد فيه أناس قتل بعضهم أشخاصاً بأيديهم هو تنازل منّا».
وأشار بشارة إلى أن «مستقبل «التجمع» يجب ألا يكون متعلقاً باستقالتي أو بالتحقيقات معي. لن يحصل للتجمع ما حصل لأحزاب عربية أخرى. يسعدني أن يتواصل السير في طريقي والعمل بأفكاري، لكن هذا ليس واجباً. أتوقع أن يحاولوا ثانية منع «التجمع» من خوض الانتخابات، وهم بذلك يدفعون الجماهير العربية إلى خارج البرلمان».
وعن اتهامه بزيارة «دولة عدوة»، قال بشارة «في سوريا ولبنان لنا ثقافة مشتركة وقومية مشتركة. نحن شعب واحد ونريد أن نطوّر علاقاتنا معهم لتصبح علاقاتٍ خاصة. العلاقات بيننا والرئيس بشار الأسد مؤسسة على احترام متبادل. أجالسه لأنه متواضع بما فيه الكفاية ليسمع آراء أخرى. إنّ قدرته على توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل أكثر بكثير من أولمرت، هذا واضح، فهو أقوى كثيراً مما كانه (ايهود) باراك ومما كانه (بنيامين) نتنياهو. إنه زعيم أصغر سنّا منهم، مؤهّل ومنفتح ولديه ثقة بالنفس تجعله يتخذ قرارات مصيرية أكثر منهم. التضامن مع هذه الدولة ضد الاحتلال الإسرائيلي هو أمر واجب».