... وفي حادث عرضي، كنت أتمشى وحيداً بين صفوف الشجر الذي يحف بالشارع من الطرفين، وإذ... سمعت صوت ضربةٍ قوية! كان صوت السيارة التي صدمتني، ورفعتني إلى السماء الى علوٍ لا يقل عن عشرين متراً، ثم... فقدت وعيي. ربما كنت ميتاً بعد الضربة مباشرة، لكن كل ما أتذكره أنني سقطت بعدها كعصفورٍ كبير يفرد جناحيه هابطاً من السماء. كنت أراقب من ذلك العلوّ عدد الناس الذين تجمعوا ونظروا إلى الأعلى! لم أدرك سبب فضولهم في النظر إليّ. فهل كان منظري غريباً الى هذا الحد؟

نزلت من الغيمات أتمختر رويداً رويداً حتى حططت على أعلى شجرة. ربما كانت شجرة كينا، لم تهتز حينما وقعت عليها، بل تجمعت العصافير حولي، ومثلهم تجمع الناس أسفل الشجرة.
همهمات الناس كانت ترتفع شيئاً فشيئاً، وقد حضرت سيارة الإسعاف غير مسرعة، تبحث عن ميت ملقى على الأرض، ولما علموا أن الميت فوق الشجرة، بدأوا باستنزال اللعنات على هذه المهمة غير المحسوب لها حساب، فقد كان وقت الظهيرة، وقت استراحة الغداء، والمسعفون على وشك تبديل ملابسهم ليعودوا إلى بيوتهم، لكن حظهم السيئ...

أنزلوني بعد تبرع الجميع بهزّ الشجرة، وبعد اتصالات مكثفة مع سيارات الإطفائية والجهات المعنية. في المحصلة، لم يحضر أحد. فقرر الجمع الغفير أن يهز الشجرة بكل قوة، وبعد دقائق معدودة سقطت أرضاً ككيس قمامة كان قد علق فوق، محدثاً صوت دوي هائل، ربما فاق صوت القنابل في غزة.
وجهي الى الأرض، وجسدي كطائرة مرتفع عن الأرض قليلاً من جهة الذيل، سحبني الناس فوجدوا أن رأسي أحدث حفرة صغيرة في الأرض، وسمعت البعض يعلق "هذا الشخص محظوظ، فقط سقط ميتاً"، في حين يقول آخرون: "سبحان الله! يبدو أنه كان سيئاً فعاقبه الله بهذا الموت". ركبت الإسعاف محملاً على المحمل، وذهبنا جميعنا إلى المستشفى، اتصلوا بالطبيب المناوب، الذي كان نائماً. جاء مهرولاً بعد ساعة، نظر إليّ وقال: هذا ميت! ابحثوا عن الوثائق التي تدل عليه!
وجدوا بطاقة هويتي، وبعض الأرقام الأخيرة التي سجلت على هاتفي، اتصلوا بالأول، فقال لهم: "بلاش هبل"، أما الثاني وكان صديقاً عزيزاً فقد أجاب سريعاً "الله يرحمه"، وذهب سريعاً الى حاسوبه ليسجل السبق على فايسبوكه:" صديقي العزيز في ذمة الله!". وقد "ليك" له المئات، في حين كانت الأسئلة حول هوية الميت لا تتجاوز 3 أسئلة مختصرة وسريعة "مين؟ الله يرحمه".
في الاتصال الثالث كان فرداً من أفراد عائلتي، وبعدما تلقى الخبر غاب الصوت. المسعف: ألو ألو؟… ولا مجيب.
في المساء، حملني الناس من المستشفى، وعادوا بي إلى البيت، للوداع الأخير. بعد نصف ساعة وصلوا الى قبر لا مدهون ولا ملون، لا شجرة تدل عليه ولا علامة فارقة، كان بسيطاً جداً، نصفه بالأرض ونصفه يطل على الضوء، دخل شخصان ملثمان، وضعاني هناك وأقفلا القبر، وبعد أدعية عادية ومكررة لنفس حالات الموتى، أطفأ المشيعون أعقاب سجائرهم على قبري وغادروا.
بقيت وحيداً، ليلة، ليلتين، ثلاث ليالٍ، لم يأتِ أحد... قررت أن أزور الأصدقاء عبر "فايسبوك" من الجهاز الذي وقع من أحد الأشخاص في القبر، فتحت "فايسبوك". فوجئت بصوري تعج بها الصفحات، وبصفحتي الشخصية مليئة بكلمات الأسى والحزن. انتهى شحن الحاسوب فعدت الى موتي: ما أحلى الموت بهدوء.
كنت أنظر إلى التعليقات وأضحك، أضحك بقوة... فتذكرت الحال، أحياناً أبعث برسالة لصديق، فيراها ولا يجيب، والبعض الآخر يجيب بعد أسبوع، وبعضهم عمل لي "بلوك" والكثير غيرهم ذكروا أبي بكلام غير طيب سابقاً... أما الآن فأجدهم ملائكة، ومنذ ذلك الوقت عرفت موقعي في الآخرة، سأكون في جهنم لأنني الشيطان.
كانت الاقتراحات كثيرة. بعضهم يطالب البلدية ــ ولا نعرف أي بلدية بالتحديد ــ بأن تسمي شارعاً هامشياً لا اسم له باسمي، وبعضهم يطالب بعمل نشاط فني لروحي، وبعضهم يريد حفل تأبين، وبعضهم يقول كلاماً جميلاً للحظة أحسست بأنه ليس لي. لكن ما أزعجني أن الكثير منهم أشهروا الأحاديث التي دارت بيننا، وأفشوا أسرار الموتى!
بعد زيارة مفعمة بالقبح، عدت عارياً إلى قبري، طرقت الباب، ففتحه لي هيكلان عظميان مرحبين وساخرين من عودتي، جلسنا معاً طوال الليلة، وهما "يكركعان" بعظامهما كلما قلت جملةً أو كلمة، لم أفهم بعد أنهما لا يتحدثان العربية، جلست في الزاوية أراقبهما وهما يضحكان، ويحركان أيديهما يسرةً ويمنةً. وبعد رحلة طويلة من التأمل، اتكأت على عظام أحدهما ونمت طويلاً، أنتظر زائراً جديداً يفهمني ويقول لي قصصاً أخرى.