غزة | أجواء أمنية وسياسية صاخبة عايشها القطاع قبيل زيارة وزراء من حكومة التوافق، إذ سبقت وصولهم خمسة انفجارات استهدفت عدة مناطق في مدينة غزة، من دون أن تفصح الجهات الأمنية عمن يقف خلفها، مكتفية بالإعلان عن إجراء التحقيقات.

وكان أحد التفجيرات قد وقع ليل الأحد بالقرب من مقر مجلس الوزراء (منزل محمود عباس سابقاً) الذي يتوسط المدينة ويقع بجواره أكبر مراكز الأمن في القطاع، والآخر استهدف عمارة سكنية قبالة مبنى وكالة الغوث «الأونروا»، غرب المدينة، وهي منطقة أيضاً تخضع لإجراءات أمنية مشددة بحكم المؤسسات الموجودة هناك.

الحالة الأمنية تركت تساؤلات كثيرة عن الجهة التي تقف خلف التفجيرات التي صارت تتكرر بالأسلوب نفسه من دون تحديد متهمين، كما تجري على ضوء عدة عوامل شهدها القطاع مؤخراً وأهمها المواجهة القائمة بين أنصار «داعش» في غزة وحركة «حماس» من جهة، وحالة الخلاف القائمة بين الحركة وحكومة التوافق من جهة أخرى. وقد يكون العامل الأول بعيداً، ولكنّ أحداثاً أخرى تقرب النظرية القائلة بإمكان تجرّؤ مؤيدي «داعش» على إحداث الفوضى، إذ وقع انفجار قبل أيام قرب روضة أطفال تابعة لحركة «الجهاد الإسلامي»، شمال القطاع، لكنّه سرعان ما ذاب بعدما وقعت التفجيرات الأخرى قرب مقار أمنية وحكومية يفترض أنها تتمتع بأعلى مواصفات الحماية، على أن الجانب الأمني أولوية كبرى لا يسمح بأي تقصير فيه.

ضريبة التكافل التي فرضتها «حماس» أثارت غضباً شعبياً وفصائلياً

وقد أعلنت الأجهزة الأمنية، التابعة لحكومة «حماس» السابقة، أنها تحقق في هذه الحوادث، ولكن ذلك لم يمنع، كما توقّع كثيرون، الزيارة المقررة لوزراء من حكومة التوافق لغزة، فيما رأت «فتح» أن نظيرتها تتمتع بالمقدرة على إظهار مرتكبي هذه الجرائم على غرار تجاربها السابقة، لذلك فإن «حماس» من وجهة نظرها مطالبة (كونها المسؤولة حتى اللحظة عن الأمن) بالكشف عن الفاعلين.
أيضاً يرفض القيادي في «فتح»، يحيى رباح، وهو يقطن في رام الله، التذرع بالحديث عن تورط «داعش»، مطالباً بالكشف عن الفاعلين ومحاكمتهم أياً كانوا، ولكنه أكد في الوقت نفسه أنه إذا كان الهدف من وراء هذه التفجيرات منع وصول الوزراء، فإنه قد أخفق.
وحتى أمس، أصرّ النائب العام في غزة، إسماعيل جبر، على أن جهاز المباحث يعمل بكامل طاقته للوصول إلى مرتكبي هذه التفجيرات، مشيراً إلى أنه سترفع دعاوى بحقهم فور الوصول اليهم. ولم يرغب جبر، خلال حديثه معنا، في تقدير أسباب هذه التفجيرات، مطالباً بالتريّث إلى حين معرفة الأسباب.
الأجواء الأمنية السابقة خيّمت على الحالة السياسية المرتبكة، إذ كان وصول وزراء «التوافق» مترافقاً مع انتقادات حمساوية بشأن اللجان التي شكلتها رام الله لدمج موظفي غزة السابقين. وقد وصل أمس 11 وزيراً لم يكن منهم وزراء الخارجية والمالية والقدس، معلنين أنهم سيشرعون في تسجيل الموظفين الذين توقفوا عن العمل بعد سيطرة «حماس» على غزة، تمهيداً لعملية الدمج الكامل وفق قوانين الخدمة المدنية.
يقول المتحدث باسم «التوافق»، إيهاب بسيسو، لـ«الأخبار»، إن عملية التسجيل ستكون في العشرين من الشهر الجاري حتى السابع من أيار المقبل. أما الجديد في حديثه، فهو إعلانه أن اللجنة الإدارية والقانونية «ستنبثق عنها لجان فرعية فنية من الموظفين القدامى في كل وزارة على حدة، أكانوا ممن واصلوا عملهم تحت إدارة حكومة غزة أم من سيعود منهم، وذلك للعمل على وضع خطة لتسكين الموظفين ودمجهم ضمن العمل الهيكلي في الوزارات».
وأشار بسيسو إلى أن اللجان الفرعية ستبدأ عملها فور الانتهاء من المرحلة الأولى المتمثلة في إحصاء الموظفين، كما لفت إلى أن من مهمات الوفد الذي سيمضي أسبوعاً في غزة (تحت حماية حماس) دراسة أزمة الكهرباء، على أن يستكمل العمل بنظام أسبوع في غزة وآخر في الضفة، إذ «سيترأس كل وزير لجنة إدارية لدمج الموظفين في وزارته بالتعاون مع أربعة خبراء من كل وزارة».
رغم ما سبق، يفقد الغزيون أملهم على الأقل بقرب حل الإشكالية التي قاربت السنة، ولكن بسيسو طمأن بأن الحكومة ستسعى إلى توفير سلف مالية لموظفي غزة حتى انتهاء عملية الدمج «التي من المتوقع أن تستغرق شهرين على أبعد تقدير».
أمّا «حماس»، فلا تزال تشكك في جدية هذه الخطوة التي ترى أنها جاءت «خارج ما تم التوافق عليه». هو تحديداً ما شرحه النائب عن الحركة في المجلس التشريعي، يحيى موسى، الذي أشار إلى سلسلة من الوعود أطلقتها «التوافق» لحل أزمات القطاع، ولكنها «لم تفِ بها» لأن إرادتها مصادرة «بفعل القيود التي يفرضها محمود عباس».
شعبياً، لم يشغل الغزيين التوتر الأمني والوعود السياسية أكثر من الذي أقرّته الكتلة النيابية لـ«حماس» في المجلس التشريعي غير المكتمل النصاب، إذ فرضت قبل زيارة وزراء الحكومة قانوناً سمّته «ضريبة التكافل الاجتماعي»، وبموجبه ستفرض رسوم على جميع السلع الثانوية (الكمالية).
يقول النائب عن «حماس»، أحمد أبو حلبية، إن هدف القرار السعي إلى التخفيف من معاناة فقراء غزة، الأمر الذي رفضه المتحدث باسم حركة «الجهاد الإسلامي»، داود شهاب، الذي قال إن تخفيف معاناة الناس لا يأتي مع إرهاقهم بالضرائب.
والقانون المذكور سيصبح نافذ المفعول بعد مرور 30 يوماً من رفعه إلى عباس أو من ينوب عنه، إن اعترض الأخير عليه، وسيجري بناءً عليه جبي الضرائب من «تجار السلع الثانوية، كالملابس والفواكه والأجهزة الكهربائية»، فيما سيكون «الدقيق والأرز والسكر والأدوية من السلع الأساسية التي لن تفرض عليها الضريبة». وتتراوح قيمة الضريبة التي سيكون تحصيلها تدريجياً من 1% إلى 10%، وقد تفوق هذا الحدّ على بعض المواد والسلع الكمالية، وفق أبو حلبية.