تعامل متابعو "القاعدة" وأخواتها مع إصداراتهم الإعلامية بجديّة. كانت البيانات والخطب والأفلام الوسيلة الأبرز لفهم هذه الجماعات، ومعرفة استراتيجيتها، وطرق عملها. بدأ التحول الاستراتيجي في عمل هذه المنظمات مع بداية ما يُسمى "الربيع العربي". ومع الأزمة السورية خرج أحد منظري "القاعدة"، بمجموعة مقترحات تتعلق بعملها، جُمعت بكتابٍ حمل عنوان "المذكرة الاستراتيجية". طرح "استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين". قاصداً تحركاً عسكرياً في أرض الشام، وآخرَ في أرض اليمن لاحتواء أرض الحرمين (المملكة العربية السعودية) لاستكمال مشروع الجهاد العالمي، وتحقيق قيام الدولة الإسلامية.


عبد الله ابن محمد، الكاتب السعودي، يُعَدّ أحد المنظرين الأساسيين لـ"القاعدة" وصاحب السلسلة المجموعة باسم "المذكرة الاستراتيجية". نشر أخيراً في حسابه على موقع "تويتر" مذكرةً جديدة، بعنوان "المشكلة في صناعة القرار الجهادي". وفيها وضع الكاتب "الإصبع على الجرح"، كما علّق أحد النشطاء.
يشير الكاتب إلى أن أجيال الجماعات الجهادية السلفية منذ الجيل الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، وصولاً للذي عايش الثورات العربية وخصوصاً "تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة"، تكمن مشكلتها في ضعف الرؤية السياسية، بسبب الخلل المستمر في "عملية صناعة القرار الجهادي".
يعرض عبدالله ابن محمد مراحل تطور الفكر العسكري الإنساني، ذاكراً بعض التجارب التاريخية، معتبراً في محصلة قراءته للتجربة العسكرية أن مراكز الدراسات وقيادة الأركان سبّبا تحقيق أي هدف عسكري مرسوم. ينتقل الكاتب إلى واقع التنظيمات بالقول: "إن صناعة القرار لا تتم بشكلٍ صحيح". والسبب يعود أولاً إلى عدم وجود أهل الاختصاص أو مراكز دراسات، وعدم وجود آلية تنظم إخراج القرار وتشرف على تنفيذه، أو قيادة الأركان".
ما هو جذر المشكلة؟ يرى الكاتب أن السبب الأساسي لهذه المشكلة يعود إلى أصل منشأ هذه الجماعات. فهي "أنشِئت على أساس شرعي"، وارتبط توجيهها بدور المشايخ. مضيفاً "أن الشيخ ارتبك عندما نزل للمعترك السياسي الذي أثبتت التجارب أنه لا يفهمه".
يترحّم "ابن محمد" على مفتي مملكة آل سعود السابق، عبد العزيز ابن باز (توفي عام 1999) وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية محمد بن صالح العثيمين (توفي عام 2001). فهما، على حد قوله، "لم يفتيا بما لا علم لهما دون استشارة مختص"، منتقداً واقع الجماعات الجهادية، السائرة وراء شرعيين لا يفقهون بالسياسةِ شيئاً، داعياً إياهم إلى أن يحذوا حذو مفتيي آل سعود، وإلى فك الارتباط ما بين شرعيي الجماعات وصنّاع القرار "الجهادي".

تهور التيارات الجهادية

كعادته يحاول "ابن محمد" الانطلاق من إرث الجماعات "الجهادية"، واستشراف مستقبلٍ يقوم على نقد التجربة، واستخلاص العِبر. فعند إعلان "الشيخ أبو الوليد المقدسي" تأسيس جماعة التوحيد والجهاد في قطاع غزّة، دخلت حركة حماس في مواجهةٍ معه، أدت إلى مقتله. يسرد الكاتب حادثةً أخرى، في نفس الفترة مع "الشيخ أبو النور المقدسي"، عندما أعلن إمارةً إسلامية في رفح أثناء خطبة الجمعة، وكانت النتيجة قتل المقدسي ورفاقه. لا يبرّئ الكاتب حماس من دم الاثنين، إلا أنّه يخطّئ الأول بتسقيط المرحلة "المكية" (من تاريخ الدعوة النبوية)، على وضع غزّة. ويحمّل الثاني "مسؤولية الدماء التي سفكت بسبب إعلانه المتهور للإمارة".

إعادة تقسيم الأدوار

يُعيد "ابن محمد" رسم الأدوار في الحركات الجهادية. يرى أن المشايخ يؤدون دوراً حيويّاً جدّاً في "التربية الجهادية والنوازل الفقهية"، ولكن لا يجب أن يقوموا بالتوجيه الاستراتيجي، "لأنهم لا يفقهون بهذا الفن، وستكون النتيجة سلبية". فالجمود الذي يصيب الحركة الجهادية سببه "اندفاع الناس خلف علماء لا يحملون تصوراً صحيحاً للواقع"، متوقعاً أن يتكرر هذا الجمود إذا سار "المجاهدون وراء هؤلاء".
خلاصة ما كتب ابن محمد، دعوة إلى إبعاد المشايخ عن صناعة القرار، الذي هو شأن القيادة. مذكّراً بأداء مشايخ آل سعود وفق قاعدة: ما للأمير للأمير، وما لله للشيخ.