القاهرة | ظنّ النظام المصري أنه بإقصاء جماعة «الإخوان المسلمين» عن المشهد السياسي وتحجيم السلفيين، ستقدر المؤسسات الدينية الرسمية التابعة له على سد الفراغ الذي سيتكون من غياب تيارين قويين عن الجمهور الموصوف عادة بأنه متدين بالفطرة. ولكن ما لم يكن بالحسبان أن المؤسسات الرسمية، كالأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، اختلفت هي الأخرى ضمن حرب النفوذ والمصالح التي تخوضها غالبية مؤسسسات الدولة. هو صراع خفي اندلع بالتوازي مع تمدد قوي لصوتين: العنف، والإلحاد والكفر بالثوابت.


هذا الوضع المستجد يضع صانع القرار في تحد كبير، في ظل خوضه، كما يقول، «حرباً ضد الإرهاب والتطرف»، وهو يعلم جيداً مكانة الدين كعامل رئيسي في وجدان المصريين الاجتماعي، حتى وإن بدا هذا الحضور «فولكلورياً» في بعض الأحيان. كذلك يدرك من في سدة الحكم أنه بحاجة إلى ملء الفراغ «الدعوي» الناتج من إقصاء الإخوان، وذلك بتوفير خطاب ديني ــ دعوي بديل وقادر على ضم القطاعات والدوائر الاجتماعية المتدينة والمعروفة بأنها غير تنظيمية.
لذلك أسباب كثيرة، أهمها دحض فكرة أن ما جرى في «30 يونيو» كان حرباً على الدين كما يروّج «الإخوان»، أو لضمان السيطرة على هذه القطاعات والدوائر بعيداً عن خطاب السلفية الجهادية المتصاعد بشدة وسط بعض الأوساط المحسوبة على الإسلاميين، لذلك حاولت الدولة في أكثر من مرة «تأميم المجال الدعوي» عبر محاولة السيطرة على «المنابر» والخطوات التي اتخذها بغلق الزوايا والمساجد الصغيرة في صلاة الجمعة، وقصر الخطابة على متخرّجي الأزهر فقط، وكذلك توحيد خطبة الجمعة وتوزيعها عبر وزارة الأوقاف.
ومنذ دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «ثورة دينية»، ومؤسسات الدولة الدينية الرسمية المتمثلة في الأزهر و«الأوقاف» ودار الإفتاء تحاول كل واحدة منها ترسيخ نفسها كذراع دينية للدولة، وهو أمر استجلب صراعاً خفياً بينها، قد تكون ألطف مظاهره التنافس في تنظيم مؤتمرات لتجديد الخطاب الديني استجابة لدعوة الرئيس، أو تنظيم مبادرات اجتماعية للأطراف الثلاثة تهدف إلى تثبيت القدم، وآخرها المبادرة التي أطلقتها «الإفتاء» لإعداد وتأهيل المقبلين على الزواج.
بالتوازي مع السيطرة على المجال الدعوي الرسمي، يبحث النظام عن ظهير ديني ــ شعبي قادر على ملء الرغبة لدى قطاع واسع من الشباب المتدينين في التأطير التنظيمي. فمثلاً، رغم الوفاق بين السلفيين (حزب النور يمثلهم سياسياً) والسيسي، منذ عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، حتى الآن، فإن ثمة شعوراً لدى الرئيس بأنه لا ينبغي تمدد الدعوة السلفية باعتبار أن لها مشروعاً سياسياً، بل إن جزءاً من حضورها في ما بعد «30 يونيو» هو جزء من نظرتها إلى العملية السياسية، أو ما يمكن تسميته ممارسة «السياسة الشرعية».
حتى وإن تطابقت وجهات النظر السلفية (التي ليست على اتجاه واحد) وقتياً مع وجهة النظر الرسمية، فإن قطاعاً في الدولة لا يرغب في حضور سياسي من الأساس لأي قوة إسلامية، على أن يحصر دورهم في مجالات أخرى، وهو بالضبط ما أجادته الدعوة السلفية طوال عهد حسني مبارك، فضلاً عن أن خصوم النظام حالياً والمتظاهرين ضده في الشوارع بالأساس هم من الدوائر الواسعة للتيار الإسلامي، وهو أمر تحرص الدولة على تجنب تكراره.
بشأن الأزهر، فإنه أيضاً، ولأسباب عديدة، لديه حضور قوي في وجدان المصريين، ولكن مجال الدعوة المجتمعية أمر لم يعهده منذ زمن، وكذلك محاولاته للتمدد أسلوب جديد عليه. مع ذلك، يحاول مشايخ الأزهر زيادة حضورهم على بعض القنوات الفضائية الخاصة بعيداً عن منصات الإعلام الرسمي، تحت عناوين «المناظرات مع العلمانيين». وفي كل الأحوال، يعلم قطاع عريض من الجمهور أن الحضور الأزهري مرتبط بكونه ذراعاً «دينية» للدولة وليس كياناً منفصلاً عنها، وهو ما يقلل من مصداقيته رغم توافر العلم الشرعي الغزير و«الملكات الفقهية» لدى علمائه.


المحاولة مع الطرق الصوفية أخفقت سابقاً... والسلفية الوعظية ليست خياراً


أيضاً، فإن بحث الأزهر عن السيطرة على المشهد الديني تحركه دوافع الحصول على مكاسب مادية ومعنوية للمؤسسة الدينية وترسيخ حضورها في المشهد العام، إضافة إلى دافع أيديولوجي يعلوه الانتقام من الخصوم المباشرين في التيارات الإسلامية، وخاصة جماعة «الإخوان» التي يقال عنها تندراً إنها الجماعة التي لا تتّسع لعسكري أو أزهري. ذلك كله يصطدم بالانتشار الواسع الذي حققته الحركات الإسلامية نتيجة عمل تراكمي طويل من أهم ملامحه الخيري والإغاثي، فضلاً عن أن دوائر التيارات الإسلامية الحركية تكونت أساساً باعتبارهم «خصوماً معارضين» للدولة، فيما رسخت الاعتقالات والمحاكمات ضدهم خلال عهد حسني مبارك المزيد من المصداقية على مشروعهم رغم سنة حكم محمد مرسي.
وفي وقت سابق، حاول النظام العمل على تجييش الطرق الصوفيّة في خطه (راجع العدد ٢٢٩٢ في ١٣ أيار ٢٠١٤)، ولا سيما خلال المرحلة الأولى من تثبيت أركانه، ولكن إخفاقه في ذلك الخيار منعه حتى الآن من إيجاد تيار شعبي ــ ديني قادر على احتواء الدوائر الواسعة للإسلاميين، ومنع تفلت ذلك إلى الخطابين المتناقضين «الإلحاد ــ العنف».
والجديد في هذا السعي منح المساحة لبعض الحركات الإسلامية غير المسيّسة كـ«التبليغ والدعوة» التي لها منهجها الخاص في الدعوة بالانشغال بتحصيل العلم الشرعي والتبليغ للآخرين دون أي انغماس في العمل السياسي أو المطالب الدنيوية، كما تقول، علماً بأن «التبليغ» تحظى بحضور قوي وعدد كبير من الأتباع، ولكن ابتعادها عن الشأن العام واقتصارها على خطاب دعوي بحت (بمفهوم الحض على الأخلاق والتمسك بالقيم الحميدة) دون أي تماس مع الشأن العام لا يجعلانها مهيأة لهذا الدور، بل انعكس هذا على العلاقة بين مؤسسات الدولة وخصوصاً الأمنية، وأعضاء الجماعة، حتى ترسخ مفهوم أن «التبليغ والدعوة» جماعة اعتزلت السياسة، فاعتزلها الأمن!
ولا حتى بعض التيارات السلفية «الوعظية ــ المدخلية» تقدر على التمدد وسد الفراغات، بل ربما الأفكار الدينية والاجتماعية التي تحملها الأخيرة تسبّب خطراً على النسيج الاجتماعي المصري بسبب فتاواها التي توصف بأنها متشددة ومتحجرة.
يقدر الباحث في الحركات الإسلامية، صلاح الدين حسن، أن إقصاء التيار الإسلامي من المنابر الرسمية ليس مؤشراً على إبعاد خطابهم عن التأثير في الشارع المصري، لأن «البيئة الرئيسية التي يتمدد فيها الإسلاميون هي بيئة العمل الشعبي والاشتباك في الشارع مع المستفيدين من العمل الاجتماعي والخدماتي، وهو أمر ينطبق على الإخوان والسلفيين، لأن مجال عملهم بعكس المؤسسات الرسمية لا يقتصر على المسجد فقط، بل لهم دوائر ربط وتنظيم ليست موجودة عند المؤسسات الرسمية».
ووفق رؤية الباحث، فإن تصدّر الأزهر و«الأوقاف» للمشهد الإعلامي لا يعني بالضرورة أنهما سيكونان طرفين مؤثرين، لاعتقاده أن «الشارع المصري زاهد في الدعاة الرسميين التابعين للدولة، وهو نفسه من استبدلهم بالدعاة المتطوعين من الإسلاميين». كذلك أوضح أن هناك مشكلات هيكلية تواجه الأزهر والوزارة باعتبار أن «الجسد العام المكوّن لهم يحتوي أكثر من خطاب، فهناك أزاهرة سلفيون وإخوانيون ومستقلون، بخلاف الأصوات الرسمية المعبّرة عن موقف المؤسسة».




«الأزهر» يتحمّل المسؤولية عن خلع الحجاب!

تأخرت مؤسسة «الأزهر الشريف» في مصر عن التعليق على الدعوات العلنية التي قدمها عدة أشخاص من أجل حشد «مليونيات» لخلع الحجاب في ساحات مصر، إذ ردّ الأزهر أول من أمس، متجاوزاً كل الاجتهادات التي تقدم بها باحثون داخله، وقال إن «الحجاب من الأمور الشرعية التي لا تقبل الاجتهاد، وذلك لحسمها بالنصوص القطعية»، مضيفاً أن المطالبة بخلع الحجاب والتظاهر من دونه «اعتداء صارخ على حرية وكرامة المسلمة». ونقل عن وكيل الأزهر، عباس شومان، قوله إنه «لا يحق لأي أحد أن يطوّع الدين لهواه»، في وقت تطالب فيه جمعيات نسوية وحقوقية بحماية مسيراتها من الاعتداءات، وسط اتهامات للأزهر بعجزه عن «تجديد الخطاب الديني».
(الأخبار)