القاهرة | على مدار الشهور الماضية، ظلت مشيخة الأزهر على علاقة بالشأن السياسي المصري الداخلي وحتى الخارجي، امتداداً لمشاركته في خريطة الطريق التي أعلنها عبد الفتاح السيسي قبل أن يكون رئيساً، وعزل بموجبها الرئيس الإسلامي محمد مرسي. في ذلك اليوم، اصطفّ الأزهر مع جمع من التيارات السياسية والكنيسة المصرية، لكنه على غير العادة بدأ بالخفوت تدريجاً في الأشهر الثلاثة الأخيرة جراء تصاعد الخلاف للمرة الأولى بين شيخ الأزهر، الإمام الأكبر أحمد الطيب، والسيسي الذي يرى أن تحركات المشيخة لا تمثل المكانة المأمولة من الأزهر في هذه المرحلة التي تواجه فيها مصر «الإرهاب» و«التمدّد الشيعي»، على أكثر من محور.


ووفق عدة مصادر من الجانبين، فإن السبب الرئيسي في الخلاف غير المعلن بين الرئاسة والمشيخة هو طريقة التعامل مع «التغييرات الدينية» التي كان مقرراً أن تجرى في المناهج الدراسية، وكذلك في فتاوى الأزهر التي يجب أن «تواكب العصر الذي نعيش فيه وتحدياته».
وكان السيسي قد طلب أن يقود الأزهر «ثورة دينية شاملة قائمة على تغيير المفاهيم وتصحيحها واستئصال المتطرفين فيها كلياً»، إلا أن الطيب يشدد على «ضرورة التروي واقتصار التصحيح على الأمور غير الصحيحة ومعالجة التطرف دون إقصاء لأي من المشايخ»، نظراً إلى المكانة العلمية التي يتمتعون بها.
وعلى ذلك، تجاهل الطيب مقترحات السيسي وطلبه سرعة التخلص من المشايخ المحسوبين على جماعة «الإخوان المسلمين»، أكان ذلك في الأزهر وهيئة كبار العلماء مثل الدكتور سعد عمارة أم غيره، كذلك رفض الطيب محاسبة المشايخ على انتماءاتهم السياسية، رغم أنه صدرت عدة قرارات من وزارة الأوقاف بشأن خطباء المساجد وتقليص وجود «الإخوان» وتأثيرهم بينهم، وهو ما زاد بمجمله الهوة بين شيخ الأزهر والرئاسة، في مقابل صعود أسهم وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، الذي ينفذ سياسات الحكومة وتوجيهاتها بسرعة.


يحاول مشايخ
الأزهر زيادة حضورهم على بعض القنوات الفضائية الخاصة

مع هذا، يكتسب شيخ الأزهر حصانة في منصبه غير القابل للعزل، إضافة إلى أن تقاعده لن يكون قبل 25 عاماً على الأقل، وفقاً لقانون انتخاب الأزهر الذي أقرّ في كانون الثاني 2012، ونص على انتخاب شيخ الأزهر وانتهاء خدمته ببلوغه سن الثمانين.
ومن آثار الخلاف أن الطيب تحفّظ على حضور المؤتمر الاقتصادي في مدينة شرم الشيخ الشهر الماضي، في تعبير عن غضبه المكتوم من مؤسسة الرئاسة، رغم أنه تلقى منها دعوة رسمية، كذلك غاب عن مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية للمرة الأولى بداعي ظروف مرضية، ولكنه في اليوم التالي للمؤتمر كان موجوداً في مكتبه يمارس عمله بصورة اعتيادية.
واللافت أنه رغم مشاركة الطيب في لقاءات شهرية تقريباً مع السيسي، فإن آخر ظهور لهما معاً كان في بداية شباط الماضي خلال ندوة أقامتها القوات المسلحة، في وقت تؤكد فيه المصادر أن بعض «العلماء المعتدلين» يحاولون تسوية هذا الخلاف بما يرضي الطرفين، على أنهم أشاروا إلى أن من العوامل الخارجية التي كان على الأزهر إسناد الرئاسة فيها، قضية اليمن الأخيرة، مع أنه كان قد أصدر انتقاداً لما سمّاه «تجاوزات» الحشد الشعبي في العراق.
في المقابل، أسندت الرئاسة مهمة تنظيم مؤتمر لتصحيح مفهوم الخطاب الديني إلى «الأوقاف»، وهو المؤتمر الذي يعتزم الطيب الغياب عنه حتى اللحظة، فيما تسعى الوزارة إلى التنسيق للمؤتمر مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، متجاهلة المشيخة كلياً، ما أثار حفيظة الطيب وعدد من أعضاء هيئة كبار العلماء. كذلك فإن الرسائل الدينية التي تريد الرئاسة إيصالها لم تكن عبر «الأوقاف» فحسب، بل صارت مرتبطة بدار الإفتاء المصرية التي أصدرت عشرات الفتاوى خلال الأسابيع الماضية، وتنتقد فيها تنظيم «داعش» وتحرّم الانضمام إليه. ويتصدر ذلك مرصد الفتاوى التكفيرية والمتطرفة الذي يقدم علماؤه دراسات حول «المخالفات الشرعية للمتطرفين».
سياسياً، لا يبدو شيخ الأزهر واضعاً الاعتبارات المصرية في تصريحاته، وخاصة مع رفضه إصدار بيان توضيحي بعد احتجاج الحكومة العراقية رسمياً على تصريحاته بشأن «المذابح التي ترتكب بحق المسلمين السنّة على يد قوات الحشد الشعبي»، رغم إجراء وزير الخارجية سامح شكري اتصالات هاتفية معه بالتزامن مع تحركات لـ«الخارجية» لاحتواء غضب بغداد، ومع هذا ظل الطيب متمسكاً بموقفه ولم يردّ على الاعتراضات السياسية لتصريحاته.
وإذا كان الخطاب الديني هو سبب الفجوة الرئيسية بين الطيب والسيسي، فإن الأخير يرى في الشخصيات الدينية المحسوبة على «الإخوان» ولا تزال في مكتب شيخ الأزهر أمراً يخالف توجهات الدولة التي تقصيهم عن أي مناصب. وبشأن قضية الخطاب، فإن رئيس المجلس الأعلى للثقافة، محمد عفيفي، قال إن «تغيير الخطاب الديني بحاجة إلى ثورة على جميع المستويات، ليس من الدولة فحسب، ولكن من جميع مؤسساتها، بما فيها وزارة التربية والتعليم التي تحتاج إلى تصحيح الخطاب التربوي للأطفال». وأضاف: «هذا يحتاج إلى وقت بناءً على إرادة المجتمع ورغبته وليس على قرارات سياسية».
أما مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير جمال عبد الجواد، فقال إن الحديث عن وجود خلافات بين الأزهر والرئاسة «مجرد تكهنات»، خاصة «أن الأزهر من المؤسسات المهمة ولعب دوراً محورياً في المرحلة الماضية». وتوقع أن الأمر لن يتطور إلى «تصعيد إعلامي معلن أو صدام حقيقي بسبب تقارب المؤسستين». ولم ينكر عبد الجواد أن الدولة خلال حكم حسني مبارك استغلت الأزهر سياسياً، لكنه لفت إلى أن الأزهر يصعب الآن فرض موقف سياسي عليه «بناءً على استقلالية المشيخة كلياً عن الحكومة».