دمشق | لا بيت لراحل أو مهدد بالرحيل

يقولها بحسرة: «لم تعد الملابس تملأ الخزائن»، هذا الكلام وإن بدا مقتضباً غير أن تداعيات أبو هشام عرقسوسي، التاجر في سوق «تفضلي يا ست» (في دمشق القديمة)، قد تكشف عن الكثير. فالتاجر الدمشقي الذي يفتح نصف الباب، يعرف وبذكاء خلاّق كيف يغلق نصفه الآخر، بما يجعله يحكي «السياسة» من دون أن يحكي بـ«السياسة».
كنا نسأله: ما هي آثار الحرب السورية على الزواج في دمشق؟
ومع كل إجاباته لم يطلق ولو لمرة واحدة مفردة «الحرب»، ولا ندري على وجه الدقة سبباً لتلافيه استخدام هذه المفردة.
ربما عدم رغبة منه في الاعتراف بواقعها كمن ينكر الموت حرصاً على تجنب قبول موت من يحب.
وربما تخوّفاً من كلام السياسة الذي غالباً ما يعتبره التاجر الشامي «الباب الذي تأتي منه الريح».
في النهاية، لا بد من كلام السياسة، فالرجل يقول إن الزواج يعني البيت، ولا بيت لراحل أو مهدد بالرحيل، فالمكان بات متحركاً، وهذا ليس كلام أبو هشام، فلأبي هشام تعبيرات أخرى، واستخدامات أخرى للغة، فهو يقول: «لم نعد نعرف تحت أي سماء سننام».
متجر أبو هشام «كوريدور» صغير، عرضه لا يتجاوز المتر ونصف المتر، ويمتد في العمق إلى قرابة المترين، وفي هذه المساحة «الشاسعة» بوسعك أن تلاحظ عالماً أنثوياً بكل التفاصيل، هو عالم «الحرملك» الممتد من «دولة الرجل» الذي يطلق عليه المصريون «سي السيد»، إلى دولة الصناعات النسيجية التي أتقنت لعبة المرأة «المنزل»، حيث ستكون كل مفردات رأسمالها ممتدة في جسدها بوصفه «بنك» حياتها، غير أن المساحة الشاسعة تخلو من المتسوّقين من دون أن تخلو من الراغبين.

«بوري» بوظة بكداش... رفاهية المتسوّقين

الراغبات، بنات حملن «بوري» من بوظة بكداش الشهيرة وقد استبدلت الفستق الحلبي بالفستق السوداني، يتطلعن إلى واجهة المحل التي يمتد مداها الحيوي إلى منتصف زقاق سوق العرائس الذي فقد ترحابه القديم، مع الجملة القديمة التي يطلقها «الولد الحوّيص»: تفضلي يا ستّ.
يبدو أن هذه الكلمة باتت منسية لا رغبة في النسيان، بل يأساً من القبول. هذه حال السوق، ومن أحواله، تلك المتسوّقة التي باتت تكتفي بالقليل القليل، فما تبقى من القليل الآخر لا بد وأن يخصص لمستلزمات أخرى هي غير الثياب، وخارج الخزائن، ما يتبقى سيكون من متطلبات المطبخ كـ«ربطة قمر دين» مثلاً، أو بعض من الرغيف، أو «ثانية بوري بوظة بكداش»، بصفتها رفاهية للمتسوّقين.
في هذا السوق، كانت فريال بصحبة حماتها ووالدتها، تبضّعن للعروس، وجادلن في الأسعار، وكنّ ثلاث نساء: أمّ العروس المقبلة بامتنان على الشراء، وأمّ العريس المحجمة عن الدفع، والعروس الحائرة ما بين الأم وحماتها. وكانت العروس في عرس آخر، عرس المشادات الكلامية «المغمزة» التي لا تكشف عن شتيمة، فيما تفضح خبايا كل شتائم الكون.
ليس بوسع أمّ مروان أن تقولها علناً: «استري بنتك يا أمّ فريال». وليس لأمّ فريال أن تقول: «ولكنها لحظة عرس البنت التي تأتيها مرة في العمر». وما بين القولين المضمرين تحكي العيون ما لا تحكي الأفواه، وهذا أبو هشام يحاول فض الاشتباك بشيء من دماثة الشامي الذي توجه لزبوناته بالقول:
ــ هذا الموبايل فيه كاميرا، أليس كذلك؟
ــ نعم يا أبو هشام.
ــ التقطي صورة للعروس مع والدتيها، كل البنات لهن أمّ واحدة، إلا فريال رزقها الله بوالدتين.

دبلوماسية العقل الشامي

هي مبادرة تعلو على الدبلوماسية التقليدية التي يتقنها رجال السياسة أو يغرقون في أوحالها، إنها مبادرة تجمع روحين مختصمتين في روح ثالثة هي فريال، ولا بد أن المبادرة نجحت، فما بعد الصورة ثمة مبادرة أخرى لا تخلو من صخب النساء، وفيها تحضن أمّ مروان كنتها، ومن ثم، وبثقة «امرأة ــ رجل» تقول:
ــ والله لو أبيع ما فوقي وما تحتي لن أحرمك يا ابنتي من جهاز عروس.
ثمة من نجحت مبادرته، وهي مبادرة أبو هشام، مبادرة، هي العقل الشامي الذي وقف في أسواقه منذ الرصاصة الأولى ليعلن:
ــ لا نريد السلاح.
ثم وقف ما بعد السلاح ليقول: «لا تحلبنوا دمشق»، بما يعني لا تلحقوها بما آل اليه مصير حلب.
وكانت أصوات تعلو مطالبة الدمشقيين بدخول لعبة السلاح، فيما بقي سوق «تفضلي يا ست» ينشر في أزقاته منوعات ألوان العروس: «برتقالي، أحمر، سماوي، موف»، وكل الألوان الأساسية السبعة مع عشرات الألوان الممتدة منها، وكل ما خسره السوق، وتلك الصرخة الطيبة التي تعلن: تفضلي يا ستّ.
تفضلنا... نعم، تسوّقنا من دكان أبي هشام، ما نحتاج إليه وما لا نحتاج، سحر الدبلوماسية الشامية ربما يأخذك الى أن تحتاج ما لا تحتاج إليه.
أليس هذا واحداً من بقاء مدينة لم تغرق بعد ستة آلاف سنة من التاريخ؟