لم يتعامل آل سعود مع اليمن، طوال فترة حكمهم في شبه الجزيرة العربيّة، إلا كمحافظة تابعة لهم، أو، في أحسن الأحوال، كبلد يجب استدامة احتضاره حتى يظلّ ممكناً السيطرة عليه. كان ذلك منذ «غزوات» عبد العزيز ضد «الكفّار» في جزيرة العرب وتأسيسه الدولة السعودية الثالثة. ظلّت هذه السياسة هي الحاكمة في عهود الملوك الذين تعاقبوا من بعده، وصولاً إلى الملك الحالي، سلمان بن عبد العزيز.


يُلخّص غريغوري غوس، أستاذ العلاقات السياسيّة في جامعة «فرمونت» الأميركية، تلك السياسة بالقول: «تحاول السعودية (تاريخياً) منع أي قوة من بناء قواعد تأثير لها في اليمن، لأن من شأن ذلك أن يؤثر على الأحداث في اليمن وشبه الجزيرة العربية ككل، وتُفضّل لو كانت كل الأنظمة في تلك المنطقة ملكيّة، وأن تكون علاقتها باليمن كعلاقتها بالإمارات الصغيرة على الخليج». هكذا يعمل العقل السعودي تجاه اليمن، منذ حرب عبد العزيز على «المتوكليّة» و«الأدارسة» في بلاد سبأ (كما كان يُعرف اليمن قبل الميلاد). انتهت تلك الحرب بانتصار سعودي، بمساعدة بريطانيّة، عام 1934 بعد مناوشات دامت نحو 10 سنوات. أصبحت مناطق نجران وعسير وجازان مناطق واقعة تحت الحكم السعودي المباشر. هذه المناطق التي عُرفت قديماً بأنها جزء من اليمن التاريخي.

كان اليمن، وما زال، زاوية رعب رابضة في الحديقة الخلفية - الجنوبية للسعودية


الطاقم الملكي» الجديد في السعودية مواكب للشأن اليمني بدقة، وعارف بتفاصيله
هكذا، وقّعت «معاهدة الطائف» بين البلدين مرحلياً (من دون إقرار يمني بالتخلّي عن أراضيه).
بعد نحو 3 عقود من الزمن، سيجد أبناء عبد العزيز أنفسهم في مواجهة جمال عبد الناصر، في حرب طويلة، دافعوا فيها عن النظام الملكي في اليمن. أرادوا استدامة «الرجعيّة» في البلد الذي وصفه الأغريق قديماً بـ«الأرض السعيدة». آل سعود لا يحتملون بلداً، إلى جوارهم، مخالف لطبيعتهم. أي رائحة لـ«التقدميّة» فهي نقيض لفلسفة حكمهم، وبالتالي «تهديد وجودي» لهم. في الواقع، لقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد. لاحقاً سيكونون من أكثر المعادين للوحدة اليمنيّة، بين الشمال والجنوب، فالوحدة تعني قوّة، واليمن القوي شيئاً لا تحبّه السعوديّة أبداً. بعد قيام الوحدة اليمنيّة عام 1990 (حقبة حكم علي عبد الله صالح) لم يجد آل سعود أمامهم إلا افتعال الفرقة بين المكوّنات اليمنية، على عادتهم، ولكن هذه المرّة على نحو مكشوف من خلال الضخ المالي واللوجستي للمدّ الوهابي - السلفي بأسلوب فج (عبر الشيخ مقبل الوادعي الذي أصبح أيقونة الوهابية في اليمن). في النهاية، نعم، لا بد من الاعتراف بأنّ جهودهم سجلت «نجاحات» بارزة... ولا يزال اليمن يُسدد فاتورتها إلى اليوم.
يذكر غ. غوس في كتابه «العلاقات اليمنية - السعودية» أن أحد أهم أهداف السعودية في اليمن هو: «منع أي شكل من أشكال الوحدة، لأنها قد تكون دافعاً لنقض المعاهدة التي تمت عام 1934. وقد أثّرت السعودية على قرارات الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) بشأن الوحدة من سبعينيات القرن العشرين».
في حروب آل سعود السابقة على «أنصار الله» (الحوثيين)، المباشرة وغير المباشرة، كان اليمن على عادته مع كل الدخلاء: لعنة عليهم. فبين عامي 2009 و2010 ظهر الجيش السعودي، المجهّز أميركياً، والمصروف عليه مليارات هائلة من الدولارات، كـ«فرقة كشّافة» تعجز عن طرد أفراد من جماعة مسلحة تخطّت السياج الحدودي. المال ليس كل شيء. هذا ما عجز العقل السعودي عن فهمه مذ ظهر النفط في تلك البلاد. هكذا، كان اليمن، وما زال، زاوية رعب رابضة في الحديقة الخلفية - الجنوبية للسعودية.
بحسب إحدى وثائق «ويكيليكس» المسرّبة، يعود تاريخها إلى كانون الأول عام 2009، فإن الملك السعودي عبد الله (الراحل) شعر بالغضب لأن طرد المقاتلين «الحوثيين احتاج إلى كل هذا الوقت، وبسبب الخسائر السعودية، وكذلك من عدم برهنة الجيش على تحسن قدرته رغم المليارات التي دفعت لتحديثه في العقود الاخيرة». هل غيّرت السعودية من تعاملها مع اليمن، اليوم، في ظل حكم سلمان، وولي عهده مقرن بن عبد العزيز، وولي ولي عهده محمد بن نايف؟ إنها الحرب المعلنة، المباشرة، هذه المرّة. هذا المتغيّر الوحيد. الذهنية هي هي، واليمن هو ذاته، بؤرة القلق «والمدى الحيوي» المزعج لحكّام بلد يجعل من امرأة تقود سيّارة مجرمة.
ربما كانت الأمور الآن قد أصبحت أعقد من ذي قبل، بعدما قويت شوكت «أنصار الله» في اليمن، وانهيار الأحصنة التي كانت تراهن عليها السعودية في اليمن لسنوات طوال، أهمها «حزب الإصلاح» (هو خلطة هجينة من الإخوان والوهابية والانتهازية والزبائنية) وبعض رموز آل الأحمر. يمكن تخيل كثيرين من العائلة الحاكمة في السعودية، هذه الأيام، يبكون مجدهم الضائع في اليمن... رغم أن الجغرافيا تبقى حاكمة.
في شباط عام 2010، سُمع الملك سلمان، عندما كان أميراً على منطقة الرياض، يقول: «التاريخ يجمع الشعبين الشقيقين، اليمني والسعودي، منذ الحضارات الأولى قبل ظهور الإسلام وما بعد الرسالة المحمدية الخالدة، وحتى العصر الحديث». هذا بعض مما في قلب سلمان من «حب» تجاه اليمن. لم ينس سلمان، وقتذاك، أثناء استقباله وفداً أكاديمياً يمنياً، أن يُثني على الوحدة اليمنية التي تحققت، والتي اعتبرها «مكسباً مهماً تحقق للشعب اليمني والأمة العربية الإسلامية، فضلاً عن كونها عززت الأمن والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي يستوجب التمسك بها والحفاظ عليها». هذه الكلمات السابقة ليست طرفة إطلاقاً. أن تفعل شيئاً علنياً، تحت عين الشمس، ثم تقول عكسه، فأنت أمام سلوك سعودي بامتياز. سلمان، لا سواه، يُشيد بوحدة اليمن! هكذا تستغبي تلك العائلة العالم، واليمنيين قبل سواهم، الذين يعلمون أن آل سعود، بملوكهم وأمرائهم، أبدعوا في تمزيق تلك الوحدة كما لم يفعل أحد. ربما ظن سلمان نفسه أن العالم نسي أنه، هو نفسه، كان قبل 26 عاماً رئيساً لـ«اللجنة المحليّة لجمع التبرعات لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية» (اليمن الجنوبي). هو نفسه، مرّة أخرى، سيحصل عام 2001 على «وسام الوحدة اليمنية» الذي قلّده إياه الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في عدن. هكذا، كل يوم هو... يمن!
ربما كانت آخر تصريحات سلمان في هذا الشأن، قبل أن يصبح ملكاً، قد جاءت أثناء زيارته لفرنسا في أيلول العام الماضي. يومها، وفي ظل انتفاضة «أنصار الله» ووصولهم إلى صنعاء، قال من باريس: «نعرب عن قلقنا البالغ لتدهور الوضع الأمني في اليمن، ومما يتمّ القيام به من أعمال تهدف إلى تقويض العملية السياسية التي تستند إلى المبادرة الخليجية. لنأمل أن يسود الأمن والاستقرار في اليمن والالتزام بالشرعية، وما صدر عن مجلس الأمن في هذا الشأن».
يبدو «الطاقم الملكي» الجديد في السعودية مواكباً للشأن اليمني بدقة، وعارفاً بتفاصيله، من الملك إلى ولي العهد فولي ولي العهد. هنا ينقل الكاتب مارك واطسون، الخبير الأميركي في الشأن السعودي، في كتابه «أنبياء وأمراء» الآتي: «السعودية كان لديها، في العقد الثالث من القرن الماضي، فرصة لغزو اليمن حتى صنعاء، ولكن الملك عبد العزيز رد على من نصحه بذلك بالقول: إن اليمن بلد لا يمكن أحداً أن يُخضعه». كثيرون اليوم يتمنون لو يسمع الأبناء والأحفاد نصيحة الجد، لكن، في المقابل، هناك كثيرون أيضاً يبتهلون ألّا يفعلوا.




اليمن بين مقرن ومحمد بن نايف

ماذا عن وليّ العهد الجديد، مقرن؟ هو الابن الوحيد لعبد العزيز من «بركة اليمانية». أخواله يمنيّون، وبالتالي هو «نصف يمني ونصف سعودي». يُقال إن «بركة» كانت جارية من اليمن عند والده، وإلى اليوم يُنظر إلى مقرن، بين الأمراء، بعين «النقص». صحيفة الـ«واشنطن بوست» تذكر قبل أشهر أن هناك «خلافات شديدة بين الأمراء بشأن وضع الأمير مقرن، ولي العهد الحالي، نظراً إلى كونه ابن جارية يمنية، وغير مؤهل هو ونسله من وجهة نظر عدد من الأمراء لأن يصبح يوماً ما ملكاً». هذه الأعراف، أو الأدبيات القبلية - البدوية، كانت وما زالت فاعلة جداً بين أفراد العائلة الحاكمة. ربما أمكن فهم عقل نظام آل سعود من هذه الزاوية أكثر من أي زاوية أخرى. إلى ذلك، تُشير برقية أميركية (ويكيليكس عام 2009) إلى أن مقرن، رئيس الاستخبارات السعودية سابقاً، «منخرط بشدّة على ما يبدو في التعاملات السعودية مع اليمن، وأن من المرجح لديه اعتبارات شخصية ومهنية لعمل ذلك» (إشارة إلى أصول والدته). ويُنقل عنه، في برقية أخرى، أنه «مؤيّد لفرض عقوبات أشد بكثير على إيران». كذلك ينقل الدبلوماسيون الأميركيون عنه قوله «إن الهلال الشيعي في طريقه أن يصبح بدراً كاملاً»… إشارة إلى اليمن وأطراف شبه الجزيرة. ماذا عن محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟ (منصب بدعة لم يألفه تاريخ الملوك). لبن نايف، على ذمّة الإعلام السعودي، ثأر مع اليمن بسبب تعرّضه لمحاولة اغتيال هناك. كثيرون في اليمن، وخاصة فرع «القاعدة» هناك، يُقال إن لديهم ثأراً قديماً معه أيضاً. هو وريث والده، رمز السطوة والبطش، والابن اليوم فضلاً عن «ولاية ولاية العهد» يشغل منصب وزير الداخلية. بحسب الإعلام الأميركي، هو المسؤول عن طرد تنظيم القاعدة من السعودية، وتحت قيادته اعتقلت الشرطة الآلاف من الإرهابيين، وقتلت المئات منهم، ولذلك انتقل التنظيم من السعودية إلى اليمن». في برقية أخرى من «ويكيليكس» (أيار 2009) ينقل الأميركيون عن بن نايف قوله: «لدينا مشكلة اسمها اليمن... اليمن دولة فاشلة، وبالغة الخطورة، إلى أبعد حد». بهذه العين يرى بن نايف اليمن، منذ زمن بعيد، وها قد جاء الزمن الذي أصبح فيه «ابن ابيه» من أقوى الشخصيات وأكثرها نفوذاً داخل العائلة الحاكمة… وعينه على ما هي عليه يمانياً.