تونس | «المؤسسات الأكاديمية لا تقتصر على البحث والدراسة والتأطير، بل ينبغي أن تؤسس لشراكة قوية بين مختلف المؤسسات الإعلامية، والتعرف إلى حاجات السوق المحلي والتوظيف، ما يتطلب تقديم المعارف اللازمة له»، كان هذا جزءاً من الورقة العلمية التي قدمها مدير معهد الصحافة وعلوم الأخبار، الدكتور المنصف العياري، عن المصير الصعب الذي ينتظر الصحافة المكتوبة وأسباب وصولها إلى هذا الحال، ليتابع بعدها بالقول: «الملاحظ في المؤسسات الأكاديمية العربية: طغيان الجانب النظري في الدراسة، وقيامها بعملية حشو أدمغة للطلاب، مركزة بشكلٍ كبير على الجانب النظري، أكثر منه الجانب العملي: لن يسأل صاحب المؤسسة الصحافي خريج المؤسسات الصحافية، إن كان يعرف نظرية حارس البوابة، حيثُ إن ما يهمه معرفة إن كان قادراً على القيام بإنجاز مهماته الصحافية المختلفة جيداً».


اليوم الأخير...

التاسعة صباحاً بتوقيت نوس: الإجراءات الأمنية المعتادة قبل بدء أي يومٍ من أيام المؤتمر، حيثُ يجري التأكد من متاعك من خلال آلة خاصة، تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في المطارات إن لم تكن هي ذاتها. تدخل لتجد أن جل مقاعد القاعة لا يزال شاغراً، إذ ستشغر، بعد نصف ساعة على الأقل من بداية الجلسة الأولى. كان المتحدث فيها هو د. العياري، في مداخلة هامة بالفعل، تبعته الأستاذة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، الدكتورة فاتن بن لاغة، في ورقتها العلمية بالمؤتمر، التي جاءت بعنوان «مكانة تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة في منظومات التكوين الصحافي في تونس». قالت إن التطور التكنولوجي الكبير لوسائل الاتصال المتنوعة، لم يمس وسائل الإعلام وحدها، بل مسّ أيضاً وسائل وطرق التدريس الجامعي، وسبل نقل المعارف والمهارات إلى الطلاب من خلال المؤسسات التعليمية التي تقوم بتأهيل الطلاب كي يكونوا إعلاميين فاعلين.
كذلك نوّهت إلى أنه تقع على كاهل الأساتذة الجامعيين مسؤولية كبيرة كي يقوموا بتطوير مهاراتهم في تدريس محتويات المناهج الجامعية، مشيرة إلى أن تنوع الاستخدامات الرقمية يؤدي إلى «تشعب هذه العملية ويزيد من صعوبتها بنحو كبير»، كذلك إن تطور هذه التكنولوجيات والقفزات الكبيرة التي شهدتها مجالات الإعلام والاتصال تلزمنا بالبحث عن آليات وحلول مبتكرة للمشاكل التي تواجهنا بهذا الخصوص.

«تأثير سلبي بتونس»

وفي ورقته البحثية حول «حوكمة الصحافة المكتوبة»، يرى الأستاذ في معهد الصحافة وعلوم الإخبار، الدكتور محمد قنطارة أن الأوضاع الاقتصادية في تونس أثرت سلباً وكثيراً بواقع الصحافة المكتوبة، في ظل زيادة التضخم باقتصاد البلاد، وتراجع قيمة الدينار التونسي أمام كل من الدينار والدولار، وارتفاع أسعار السلع المرتبطة بصناعة الصحافة المكتوبة كالورق، وبالتالي إلى ارتفاع تكاليف طباعة الصحف في تونس، فضلاً عن انعدام دراسة «المنتج الصحافي المكتوب» بشكله النهائي من قبل المؤسسات القائمة عليه، مع عدم تطوير عملية تأهيل موظفيها، والارتقاء بجودة مختلف جوانب عملها الصحافي.

استعراض للتجارب

أما الباحث التونسي، شوقي علوي، في مشاركته بالمؤتمر، التي كانت بعنوان «هل انتهى دور الصحافة المكتوبة في الاتصال السياسي؟»، فيقول إن «التكنولوجيات الحديثة للإعلام قد طورت آليات الاتصال السياسي وسبله جذرياً»، مؤكداً أن «البحوث التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة على الإنترنت تجزم بأن الاتصال السياسي من خلالها قد أصبح أكثر سهولة وأكثر نجاحاً، ليس من الصحافة المكتوبة وحدها، بل وحتى التلفاز، الذي كان الوسيلة الأكثر أهمية للاتصال السياسي لعقود». ومن ثم يتابع قائلاً إن «هذا الأمر يعود إلى سرعة التفاعل وسهولة التواصل من خلاله على مدار الساعة، والقدرة على قياس ردود أفعال الجمهور من خلالها بشكلٍ ملموس».
كما قدم، من جهته، الأستاذ الجامعي في «جامعة لمين دباغين» بولاية سطيف الجزائرية، ورقة عملٍ بحثية بعنوان «آليات بناء النقاش العمومي حول المسائل السياسية في الصحافة المكتوبة الجزائرية»، التي قال فيها إن تجربة الإعلام الخاص في الجزائر، والتي مر عليها أكثر من ربع قرن، تمر في حالة من الفوضى، في ظل وجود «فضاء عام» مهزوز، وغياب النقاش العموم وترقية الثقافة السياسية العمومية لدى القائمين على مؤسسات الإعلام المكتوب، في ظل اعتبار هؤلاء لمتابعي وسائل الصحافة المطبوعة «زبائن» بالدرجة الأولى، مع وجود معضلة اتخاذ القرارات السياسية بشكلٍ فردي من المسؤولين في قمة هرم السلطة، بعيداً عن النقاش العمومي مع المواطنين.
هكذا انتهت الجلسات، لتبدأ النقاشات، التي دارت في مجملها حول مناقشة مداخلة د. العياري في المؤتمر، التي لاقت أهمية خاصة لأنها تتحدث عن دور المؤسسات الأكاديمية بالدرجة الأولى. سأل الأكاديمي المصري، السيد بخيت: «هل ترى أن الأكاديميين في الدول العربية قادرون على تولي دورهم في تطوير عملية تأهيل الصحافيين، من خلال المؤسسات الإعلامية المختلفة؟». أجاب العياري ساعتها: «ينبغي أن نتعهد أنفسنا بالتكوين، قبل أن نطلب من الطلبة ذلك.
ومن الممكن فتح باب التأهيل أمام هواة ممارسة الإعلام ــ ممن لا يمتلكون شهادات من كليات الصحافة ــ من خلال تأمين دورات، بل يمكننا أيضاً فتح أقسام خاصة لهم في كليات ومعاهد الإعلام العربية، لأن استيعابهم مهم أيضاً».
جاءت التوصيات في النهاية لتؤكد أن المؤسسات القائمة على الصحافة المكتوبة يجب عليها القيام بواجبها أيضاً وتغيير أساليبها القديمة والتقليدية، مع توفير دورات تدريبية أكبر للكوادر العاملة بها، إضافة إلى ضرورة تغيير المناهج العربية في الإعلام لتصبح أكثر حداثة، مع جسر الهوة في هذا المجال بين الجامعات والمعاهد بين المشرق والمغرب العربيين، إضافة إلى ربط المؤسسات الأكاديمية بالسوق المحلي لمعرفة احتياجاته، مع السعي إلى تركيز الصحافة المطبوعة على الفنون الصحافية غير الخبرية والمتميزة، التي تضمن لها جذب المزيد من القراء.