القدس المحتلة | يعرف عن المقدسيين في التراث الفلسطيني أنهم من أكثر الشرائح الاجتماعية «عنادا»، وقد يفسر ذلك صلابة صمودهم في وجه الاحتلال، ولكنهم يبقون حالة بشرية تحتاج في حياتها اليومية إلى عمل ودراسة وزواج وطبابة، وما إلى ذلك من حقوق إنسانية أساسية، وعلى هذا فإن الاحتلال الإسرائيلي الذي هجّر أكثر من 14 ألفاً من أهل القدس منذ احتلالها، لن يكون الخادم لهم مدنيا، مع أنه يفرض عليهم ضرائب باهظة مقابل شروط حياة صعبة، وهدف كل ذلك دفعهم إلى خارج القدس.


هذا بات معروفا لدى كثيرين ممن يتابعون الشأن الفلسطيني، وخاصة في القدس المحتلة، ولكن الجديد المفاجئ أنه خلال السنوات الماضية التي تحول فيها وجود المقدسيين إلى «إقامة» مؤقتة في مدينتهم تسقط لاعتبارات كثيرة، أصبح منهم نحو عشرين ألفاً بلا إقامة «قانونية» وفق مقاييس الاحتلال، وهم عرضة للطرد إلى مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة، أو خارج فلسطين.

يسافر المقدسيون خارج فلسطين باستخدام جوازات أردنية


سكان القدس العرب هم بحكم المقيم وليسوا مواطنين وفقاً لقانون عام 1952

يعاني هؤلاء في كل تفاصيل حياتهم الصغيرة والكبيرة، وبما أنهم لا يحملون الجنسية الإسرائيلية أو الفلسطينية فإنهم لا يستطيعون الحصول على جواز سفر، فيما «تتكرم» عليهم «راعية القدس»، المملكة الأردنية، بجوازات سفر مؤقتة تسهل ترحالهم إلى خارج المدينة، على أن أي مغادرة تمتد لأكثر من سبع سنوات تسقِط حق عودتهم إلى بيوتهم وذويهم، فيما يكون الحصول على جنسية أو إقامة في دولة أخرى سبباً «محبباً» لإسقاط إقامتهم في القدس، والبنود في ذلك طويلة، وآخرها العمل على ضمان ترحيل أهل المدينة المحتلة منها خلال عشر سنوات على أقصى حد، هي مدة الصلاحية المبتكرة جديدا لهويات المقدسيين.
يرفض كثيرون، هنا، التصريح بأسمائهم في حديثهم مع الإعلام خوفاً من تبعات ذلك، ومنهم أحمد (اسم مستعار) الذي عمل في صفوف المقاومة خلال شبابه، ثم عاد إلى فلسطين مع توقيع اتفاق أوسلو (1994). يقول: «برغم أنني لم أسترجع الهوية المقدسية فإنني بقيت فوق بيت والدي، وقد أتت السلطات الإسرائيلية للكشف على البناء وإحصاء عدد سكان المنزل»، مضيفاً: «أجبرونا على دفع ضريبة الأرنونا (ضريبة على السكن) مع أنني أحمل الهوية الخضراء (السلطة الفلسطينية)، ولست ملزما دفع الضرائب للاحتلال».
وحتى اجتياح الضفة المحتلة عام 2002، ثم بناء جدار الفصل العنصري، كانت ابنة أحمد تعمل في إحدى مدن الضفة وتساعد الأسرة براتبها، ولكن بناء الجدار جعل وصولها إلى عملها مستحيلاً. يكمل الرجل الستيني: «لم تستطع ابنتي الحصول على عمل في القدس لأنها تحمل هوية فلسطينية، وإن وجدت فرصة فإنها ستعمل بساعات أكثر وراتب أقل!»، مشيراً إلى أنه لا يستطيع تسجيل أولاده في المدارس، فالتي تتبع لسلطات الاحتلال ترفض استقبالهم، وكذلك المدارس الخاصة، أما مدارس السلطة الفلسطينية الخاصة بالثانوية، فعددها قليل في القدس، «بل يصعب الوصول إليها لأنها خارج مركز المدينة»، فيما التي داخل البلدة القديمة تحيطها حواجز الاحتلال حيث يتعمد الجنود اعتقال الشباب وإهانتهم (توجد مدرستان ثانويتان فقط للذكور تابعتان للسلطة في المدينة: واحدة في البلدة القديمة، وأخرى في صور باهر).
لم يستطع محافظ القدس، التابع للسلطة، عدنان الحسيني، إخفاء دهشته عند طرح هذه القضية عليه، وخاصة مع تنبيهه إلى أن عدد من يقطن في القدس من دون تسوية إقاماتهم وصل إلى نحو عشرين ألفا. واعترض الحسيني على طريقة تعامل المدارس الخاصة، ولكنه لفت إلى عجز السلطة عن الضغط على تلك المدارس.
وإذا حاول هؤلاء التوجه إلى سلطات الاحتلال للحصول على هوية زرقاء، فإنهم يواجهون عادة بالرفض، وحتى لو كانت الحالة إنسانية. منهم أمل (اسم مستعار) وهي مطلقة من رجل كان يحمل هوية السلطة الخضراء، وتسكن الآن مع خمسة من أبنائها في القدس، وقد قدمت أوراقها عبر مؤسسات حقوق الإنسان إلى وزارة الداخلية الإسرائيلية للحصول على هويات، ولكن من دون جدوى... عدا طفل واحد عمره أصغر من السن القانونية.
في النتيجة، يعاني أبناء أمل صعوبة الحركة والتنقل، واعتقلوا عدة مرات عبر الحواجز «الطيارة» بين شوراع القدس، ثم يعودون إلى المدينة بالتهريب أو من خلال طرق وعرة. تقول الأم: «التضييق ليس من الاحتلال فقط، بل من الجهات الفلسطينية أيضا... حصلت على تحويلة طبية عبر السلطة لابني المصاب بمرض القلب بعد معاناة كبيرة». أما أحد أبنائها، واسمه محمد (15عاما)، فيتحسر على تركه الدراسة، بسبب المشكلة نفسها في قضية قبول المدارس.
وينص قانون وزارة التربية والتعليم التابعة لسلطات الاحتلال في القدس على أنه «إذا كان كلا الوالدين من مناطق السلطة، يمنع تسجيل الطالب بتاتاً، أما إذا كان أحد والدي الطالب حاملا للهوية المقدسية، فيمكن تسجيله وفقاُ لحامل الهوية المقدسية». وبشأن المدارس الخاصة، فإنها كلها عدا مدرسة «دار الطفل العربي»، تحصّل مبلغاُ إضافياُ عن كل طالب مسجل لديها من البلدية (غير القسط السنوي الذي يدفعه ذوو الطالب)، وعند بلوغه السادسة عشرة، فإن هذه المدارس ترفض استقباله لأن السلطات الإسرائيلية لا تعترف به. وفق الأرقام، هناك ما نسبته 2.7% من الطلاب الذين يحملون هوية الضفة يقطنون في القدس، ونسبة أقل يحملون هويات أخرى، فيما تعاني الغالبية الباقية مشكلات في قضية الإقامة.
وبالنسبة إلى العمل، فإن القانون الإسرائيلي يمنع حاملي الهوية الخضراء من العمل في القدس، بل يفرض على كل من يخالف هذه القوانين غرامة مالية وقد يتعرض للسجن. وحتى من قُبل للعمل فإنه يدفع مبلغا معينا من الراتب شهريا للتأمين الصحي من دون أن يستفيد منه، ما يضطره في الوقت نفسه إلى العلاج على حسابه الخاص.
المعاناة نفسها تتكرر مع المئات في حال الزواج، إذ تشتكي إحداهن، وتدعى وفاء، قائلة: «عندما يعرف المتقدم للزواج أننا نحمل هوية السلطة يعتذر عن خطبتنا، لأنه يعلم المعاناة مع المحامين والداخلية الإسرائيلية، وما يتبع ذلك من مشكلات في الإقامة والسكن والأبناء».
ومنذ عام 2002، تمنع الحكومة الإسرائيلية لمّ الشمل لأي زوجين، أكان أحدهما فلسطينياً أو من أصل فلسطيني يحمل جنسية أجنبية. ولمّ الشمل يقصد به أن يعطي الزوج لزوجته الجنسية التي يحملها، وقد بقي القانون ساري المفعول حتى الآن ويجدد سنوياً، ولكنه عام 2007 شهد تعديلا شمل عدة «دول معادية» هي: إيران وسوريا ولبنان والعراق، ثم قطاع غزة الذي أضيف عام 2008!
ومع أن القانون في إسرائيل يعطي حق التمتع بالمواطنة لمن يهاجر من اليهود إلى فلسطين بناء على الدين، فإنه لا يسهل لفلسطيني يحمل الهوية الزرقاء أن يعطيها لزوجته إن كانت من الضفة المحتلة، فيما يؤكد المحامي فايز بركات أنه «حتى لو توافرت جميع الشروط الموضوعة في القانون وانطبقت على المواطن الفلسطيني، فإن التطبيق يكون انتقائياً بما يتماشى مع سياسات الاحتلال».
في السياق، يفيد مسؤول في السلطة أن «الإرادة السياسية اتجاه القدس ضعيفة جداً، ولا توفر ميزانيات للقدس على مستوى القطاعات التعليمية والصحية وغيرها»، مؤكداً أن ذلك يعود إلى «خط استراتيجي في اتفاق أوسلو يقضي بتأجيل القدس للمرحلة النهائية من المفاوضات». ويقر المسؤول بأنّ المجتمع المقدسي بكل أحواله القانونية «لم ينصف لدى السلطة، فكيف بحملة هوية الضفة داخل القدس؟».
وعن رأي أعضاء الكنيست العرب في هذه القضية، فإن المحامي أسامة السعدي، وهو عضو كنيست، يشرح أن سكان القدس العرب هم بحكم المقيم وليسوا مواطنين وفقاً لقانون عام 1952، ويشير إلى أن الكنيست أصدر قانوناً ينص على توحيد شرقي القدس الشرقية وغربها ضمن مدينة واحدة تكون «العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل»، ولكن القانون الدولي لم يعترف به، وبذلك يطبق قانون المواطنة على من يقطن غرب المدينة، فيما يعاني المقدسيون الأصليون الأمرّين. ويذكر السعدي أنه مع حلول الانتفاضة الثانية عام 2000 بدأ التضييق ومنع لم الشمل بين الأزواج المقدسيين والفلسطينيين من الضفة وغزة، بل سُنت قوانين تمنع الزواج بين من تقل أعمارهم عن الخامسة والثلاثين من الرجال، والخامسة والعشرين من النساء!




شرقي القدس تحت طائلة «أملاك الغائبين»

اتهم حقوقيون فلسطينيون، ما تسمى «المحكمة العليا الإسرائيلية» بالسماح لسلطات الاحتلال بالاستيلاء على عقارات في شرقي القدس تعود ملكيتها إلى فلسطينيين مقيمين في الضفة المحتلة، وذلك بشملها رسمياً بما يعرف بقانون «أملاك الغائبين»، ضمن قرار صدر منتصف الشهر الجاري. وهذا القانون الذي صدر عام 1950 يسمح للاحتلال بمصادرة عقارات ضمن حدوده التي أعلنها تعود ملكيتها إلى فلسطينيين أو رعايا دول عربية في حال غيابهم عنها، ولكن المحكمة المذكورة رأت في قرارها الأخير أن القانون يسري أيضا على عقارات شرقي القدس، وأغلقت الطريق نهائياً أمام اللجوء إلى القضاء للطعن في المصادرات.
(أ ف ب)